Connect with us

Published

on

بقلم/ عبد الرحمن الحاج ،  كاتب وباحث سوري

إذا كنا لا نرى أن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول تشكل فاصلا بالنسبة لتكوين الخطاب الإسلامي الجديد الذي تشكل قبل هذا التاريخ، إلا أن ذلك لا يعني أن آثارها لن تطاول هذا الخطاب وتؤثر فيه. لقد تشكلت خلال العقد ونصف العقد المنصرمين ملامح “خطاب إسلامي جديد” ولدت معظم نصوصه بعد انقضاء الصراع الأيديولوجي مع الماركسية بسقوط الاتحاد السوفيتي الدرامي، وكان هذا الصراع حشر الخطاب الإسلامي في زاوية “الهوية”، الهوية بمعناها النافي والمُقصي للآخر دفاعا عن النفس، وقد أدى ذلك عبر سنين طوال إلى حالة فقر مدقع بجعل التطور في صياغة خطاب جديد وتكوينه بطيئا للغاية.

إن بروز خطاب “جديد” -بحد ذاته- مؤشر على تأثر حركة الفكر الإسلامي بالأحداث؛ إذ ما إن دخل في مرحلة ما بعد الصراع حتى تولدت طبيعيا حركة فكرية نشطة تعيد التفكير في الذات نقدا وتركيبا. وعلى هذا الأساس لا نستبعد كليا أن تحصل تأثيرات جراء أحداث بحجم أحداث 11 أيلول/سبتمبر -وُضع الفكر الإسلامي في صلب مسؤوليتها-، ولكن هذه التأثيرات المحتملة يجب أن تقرأ في ظل البنية التي تكون الخطاب الجديد، وربما أصبح الآن بمقدورنا دراسة التحولات التي ستحصل في العقل الإسلامي على ضوء تجربتنا القريبة.

زمن التجديد.. والخطاب الجديد

من المبالغة وصف أي خطاب في “التجديد” بأنه خطاب تجديدي فعلا، كما أنه من غير الإنصاف أن يكون كل خطاب لا يتحدث في التجديد خطابا غير تجديدي، ذلك أن الأساس الذي يمكن اعتبار أي خطاب بأنه داخل في إطار التجديد أو لا، هو ابتداء “الإطار المرجعي” الذي ينبني عليه؛ إذ يتضمن هذا الإطار المرجعي المسلمات الكبرى التي تحرك إطار البحث والتفكير في أي خطاب.

وإذا كان كل خطاب إسلامي يفترض ضمنا عددا من المسلمات، يدخل منها في الإطار المرجعي: الوحي، والسلطة المخولة للتعامل معه وتأويله، فإن الجديد دوما ليس في نفي السلطة الدينية (الإكليروس)؛ فذلك مسلمة الخطاب الإسلامي على وجه العموم، بل في التسليم بمفهوم جديد للزمن الحاضر يختلف كليا عما سلف من الأزمنة، هذا الزمن الراهن هو أحد مكونات الإطار المرجعي للخطاب الجديد، بكل ما يعني من معرفة وواقع حال.

الغريب أن الوعي السلفي لا يدرك التناقض الحاصل بين إيمانه بأن التاريخ الإنساني “تاريخ متقدم نحو الأسوأ”، وبين “العودة للإسلام” في صورته الصحية النقية، بل مع أهم مبدأ إيماني يؤسس عليه تمسكه الديني: “صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان”! وفي حدود هذا التصور المتناقض يسهل فهم كيف أصبح تفجير برجي التجارة في نيويورك في 11 أيلول/ سبتمبر “غزوة مانهاتن”! في عقل السلفية الجهادية.

ما كان لدى السلفي التقليدي زمن ثابت أميل لأن يكون زمنا اعتقاديا خالصا، يتخذ بُعده الواقعي في الخطاب الإصلاحي والتجديدي1، فالتاريخ أزمنة وصيرورات وليس زمنا واحدا توقف عن التغير، وأول اعتراف نشهده على صورة إقرار بـ”الانحطاط” أو “التخلف” في المسلمين مقابل “التمدن” أو “التقدم” في الغرب الأوربي، أي في رؤية أزمة التخلف بوصفها “فواتا حضاريا”، فقد شكلت الحداثة صدمة للوعي الإسلامي ووضعته في موضع السؤال التاريخي “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟”.

الوعي بالتاريخ هنا ليس في الشعور بالتغير الثوري الذي حدث في العالم، فجميع أشكال الخطاب الإسلامي الإصلاحي والتجديدي “مؤمن” من غير تردد بذلك، لكن تحليل هذا التغير وتفسيره أمر بدا مختلفا جدا في كل مرحلة من مراحله، وهي تتصل بمدى وعيه للحداثة وتطوراتها المتسارعة قربا وبعدا، ففيما الخطاب النهضوي لحظ التقدم الغربي في شقه التنظيمي والمادي (الطهطاوي والتونسي) لم ير ضرورة في تطوير الخطاب الإسلامي، فمسألة “الإصلاح الديني” لم تستبعد وحسب، بل استهجنت ورُفض التفكير فيها، وسرعان ما أدرك الإصلاحيون “عبده وتلامذته” في إطار الحقبة الكولونيالية (الاستعمارية) أن المسألة أبعد من مجرد نقل للحضارة الغربية، وأن الفجوة الواسعة والمطردة بيننا وبين الغرب ليست مجرد تطورات تقنية وإدارية تنظيمية؛ إنها أيضا مسألة تطور في المعرفة الإنسانية وليس في العلوم المادية فحسب، إلا أن تفسير التقدم الغربي بوصفه تطورا عن الصراع مع الكنيسة، وضع الإصلاحيين والخطاب الإصلاحي -بمنطق المقايسة بجامع “علة” متمثلة في النهضة الحديثة- أمام خيار إعادة إنتاج للنهضة على الإيقاع الغربي نفسه، وهكذا قرر زعماء الإصلاحية (عبده وتلامذته) أنهم لا بد أن يمارسوا دورا لوثريا، بل لقد صرحوا بأن الإصلاح الديني هو مثيل الإصلاح البروتستانتي تماما! هنا يبدو أن الزمن بدأ يصبح في الوعي الإصلاحي زمنَ الغرب وحضارته، وليس زمننا الخاص.

لكن هذا الوعي بالزمن كان ينبغي أن يقود إلى تحولات عميقة في الخطاب الإصلاحي، إلا أن هذه الرؤية للتاريخ المفترض أنها تؤدي إلى نمط تفكيري مشابه للإصلاح الديني اللوثري ما لبثت أن اصطدمت بالواقع الفعلي لمركب الدين الإسلامي: غياب سلطة دينية، ومشكلة مع العلم لا تماثل البتة المسيحية في القرون الوسطى! وسرعان ما أدى ذلك إلى انقلاب دراماتيكي للزمن في الإصلاحية إلى زمن السلف الصالح! فأصبح الإصلاح الديني يعني العودة بالدين إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة على هدي العقل. إنه انقلاب لا نعدم أن نلحظ تأرجح مفهوم الزمن فيه، في مفهوم “العقلانية” الذي ينتمي إلى السلف والحداثة في لحظة واحدة! صحيح أن مسألة العقلانية ليست وافدة على الفكر الإسلامي وإرثه الفكري، لكن العقلانية -كما تبدو في تجلياتها عند الإصلاحية- هي العقلانية الغربية المادية غالبا، فالتفسير المادي للغيبيات معناه أننا أصبحنا في عالم حداثوي تماما، على الأقل بالنسبة للإصلاحية، التي أصبح بإمكاننا القول إنها “تلفيقية” دون تأنيب الضمير.

ما بين “وفاة” الإصلاحية وميلاد خطاب التجديد ما يقرب من ثلث قرن2، تطورت فيه المعرفة الغربية الحداثية خطوات جبارة، خصوصا في المعرفة الإنسانية بنتائج تجربة تطبيق مبادئ العلوم التجريبية على حقولها، فأصبح الغرب هنا غربا أعقد، ومسألة المقايسة مع اللوثرية وصلتها بالنهضة والتقدم ما عاد لها نفع، لا بل إن هذه المقايسة ذاتها أصبحت مستهجنة، يعود ذلك ليس إلى إخفاق التجربة الإصلاحية التلفيقية فحسب، بل إلى حصاد التجربة الحرجة من الصراع الأيديولوجي “الأول” مع العلماني المحلي (الذي كان ليبراليا، ثم أصبح يساريا ماركسيا) بعد ظهور الدولة الوطنية بانقضاء الاستعمار، فقد تبنى الحداثي العربي على الأقل المقايسة على التاريخ الغربي للنهضة والتقدم إلى أقصاها، ليبرر التعجل إلى النتائج، التي ما لبثت أن أصبحت بفعل إخفاق الدولة الوطنية المحدثنة في التنمية إلى أيديولوجيا فوق تاريخية، وضعت الفكر التجديدي أمام إعادة تفكير جدية بالإصلاح الديني اللوثري، وإعادة مَوْقَعَة للتفكير بالذات.

ولا يبدو أن قطيعة مع رؤية الزمن جاثيا في الغرب الذي ولد مع الإصلاحية أمر ممكن، لكن ثمة مسافة أخذت من هذا الزمن حيث بدا أن الصراع الأيديولوجي أفرز عنصرا جديدا في مكونات الفكر التجديدي هو “الهوية” والخصوصية، وهكذا أسس أهم منظري الخطاب التجديدي في ذلك الوقت (مالك بن نبي) مفهوم الزمن كجزء من مفهوم “الحضارة” وهويتها. ولأن المعرفة بالغرب لم تكن على ذلك العمق الذي يمكن من استثمار الزمن الغربي ممثلا بنتاج حداثته في العلوم الإنسانية فقد أصبح لزاما أن نتصور كيف أن الزمن الحداثي أصبح باهتا للغاية، عندما بقي الإرث السلفي هو الوحيد فعليا المحرك للفكر التجديدي آنذاك، فشهدنا ظهور تيار تصالحي ساذج عرف بـ”الوسطية” و”الاعتدال”، فطالعتنا كتابات غاية في السطحية تحمل عناوين حداثية ومحتويات سلفية رخوة، مثل: علم الاجتماع الإسلامي، علم النفس الإسلامي،… إلخ.

ليس غريبا بعد أن أصبح مفهوم الزمن الغربي المفارق أمرا مسلما في خطاب التجديد أن نعود لنشهد إعادة تركيب لـ”زمن الحداثة” في حضور “أنا” في طور جديد؛ إذ خلقت الوسطية وكتاباتها السطحية وعلاقتها الباهتة بالزمن الغربي انطباعا سيئا للغاية بمعرفة زائفة بهذا الزمن. أعيد هذا التركيب في صورة تأسيس نظري واسع النطاق للعلاقة مع المعرفة الحداثية الممثلة لزمنها في مشروعات متفاوتة الأهمية، لكن أهمها -على الإطلاق- مشروع “إسلامية المعرفة”3 الذي حاول بناء صورة واضحة عن هذا الزمن وامتلاكه من خلال تأسيس علاقة حضور “الأنا” بالعصر عبره ومن خلاله، لكن هذا الـ “عبر” و”الخلال” جزء من عبور مكونات هوياتي، فـ “استعمال مصطلح الإسلامية في “إسلامية المعرفة” [بُرر] في محاولة لتأكيد الهدف التحريضي من جهود الأسلمة والإسلامية في العمل العلمي والمعرفي المعاصر، والهدف النقدي والتقويمي للمعرفة المعاصرة وإحالاتها الفلسفية وأسسها النظرية، والهدف العملي في توظيف المعرفة للأغراض المشروعة في الواقع الإسلامي”4.

لقد لقي هذا المشروع نقدا أبستمولوجيا حادا، لكنه كان بمثابة “الفتح” في التنظير للتعاطي مع الزمن الغربي، فالحصار الذي وجد هذا الخطاب التجديدي نفسه فيه في الثمانينيات ما لبث أن فتح الأفق ليتشكل خطاب جديد في التسعينيات مع استراحة العقل المسلم من أزمة الهوية بانقضاء الصراع الأيديولوجي مع الماركسية؛ إذ صاحب هذا التكون ولادة حركة نقدية واسعة للحداثة الغربية، كان المثقفون الإسلاميون الجدد على مقربة منها، فاللغة ما عادت حاجزا؛ إذ تطورت حركة ترجمة بالغة الأهمية توجهت نحو نتاج الغرب الليبرالي الفلسفي والمعرفي (حقل العلوم الإنسانية)، مما ساعد على تكوين رؤية أكثر عمقا بالحداثة ذاتها، فلم يَعُد زمن الحداثة الغربية على صورته الأسطورية، كما لم تَعُد المعرفة الإنسانية ذاك المجهول المرغوب، هذه المعرفة “الجديدة” بالغرب ما كانت متيسرة من قبل، بل ما كانت ممكنة أساسا، فقد أصبح الانفتاح على الغرب انفتاحا يسمح بالتعرف على حدود “الهوية” للأنا والآخر، وأصبح ممكنا التفكير والتعاطي مع المعرفة الغربية باقتدار دون هتك للهوية أو الخوف من الانسياق مع الزمن الغربي الخالص والأسطوري.

المعرفة الحداثية وتكوين الخطاب الجديد

خلقت رؤية العالم الجديد خطابا على صورتها ومثالها، وهي صورة لم تخلف جديدا في عناصر الخطاب التجديدي في طوره الثالث والذي ورثته مكتمل العناصر، لكنه اكتمال نظري، أصبح في مركب الخطاب الجديد جزءا فعليا بدأ يأخذ حظه من الفعل والتأثير. فلقد انتهى المركب المكون للخطاب التجديدي الإسلامي إلى تشكل بنية مؤلفة من علاقات لعناصر ثلاثة: التراث، المعرفة الحداثية، النص (الوحي) بوصفه مرجعا. يحكمها نظام ناشئ من فهم مكونات هذه العناصر ذاتها، ولا شك أن معالم الخطاب الجديد تتضح من خلال تركيبة نظام العلاقات بينها.

وإذا كان النظر إلى النص بوصفه حاكما للمعرفة الدينية لم يطرأ عليه تغيير في مفهومه، في مجمل التطورات الحاصلة فيه، ليس إلا امتدادا طبيعيا للرؤية التقليدية في نهاياتها القصوى، فالموقف من النص ما زال نظريا -ابتداء من التقليدي السلفي وصولا إلى الخطاب الجديد الذي نحن بصدده- يقف على مسافة من القارئ هي: مسافة اللغة التي تكسوه بالموضوعية، وتحيده عن ذات القارئ إلى درجة ما مبدئيا، ومسافة العقل (وفق مبدأ: درء تناقض العقل والنقل) التي تمنحه القدرة على الاستمرار والبقاء وتوليد المعنى، مع ملاحظة أن مساحة فعل العقل ليست دوما في موافقة ما يقوله النص، بل فيما لا يقوله النص أيضا، وبالتالي فإن التطور الفعلي حاصل في عنصري التراث والمعرفة الحداثية دون غيرها.

ما بين تصور التراث وتصور العلم نسبة هي نسبة الهوية للمعرفة، لا تختلف هذه النسبة – في أهميتها- عن المعرفة الحداثية التي ترتبط بحضور العصر والتفاعل معه، فالانفصال عنها يعني الارتكاس إلى الماضي والانقطاع عن الراهن وتصبح صورتنا غريبة غربة “طالبان” عن العالم.

لقد تجاوزت المسألة في الخطاب الجديد مجرد التلقي، أيا كان شكل هذا التلقي، سواء بعد الفلترة الأيديولوجية أم من دون ملاحقة هذه النهايات الفلسفية المادية؛ فالمعرفة الحداثية أضحت ممارسة فعلية نامية باطراد. هنا تحولت الدعوات “العمومية” الموجهة للمثقفين المسلمين ليتفهموا “الحضارة الغربية فهما شموليا دقيقا من غي إعجاب وانبهار وذوبان فيها، أو اتهام وإعراض عن عجز أو جهل” من أجل أن يكونوا قادرين على “التعامل مع نتاج الغرب بالطريقة البناءة”5 إلى حقيقة، فلقد بدأنا نشهد عددا من التجارب تتعامل جديا مع الغرب في مختلف حقول المعرفة الإنسانية الحداثية، وإن أبرز سمات التفاعل في الخطاب الجديد تراجع مسألة “الهوية” إلى موقع خلفي، حيث تخرج عن كونها مركزا لخطاب أيديولوجي، وعقدة مقابلة لمركزية الغرب، تراجعت إلى حيث ليس بالإمكان قبول أن تكون المعرفة الغربية معرفة كونية وحسب، وهنا تتخذ الهوية موقعها في تغذية النقد وتقوية السؤال الأبستمولوجي عن الممكن وغير الممكن في الذات والآخر. صحيح أن الحداثة الغربية طموحة إلى درجة تنميط العالم على مثالها، إلا أن مفهوم “الهوية” يكبح جماحها نحونا.

وحينما نقول: إنه بدأ تعامل فعلي مع المعرفة الغربية الحداثية في إطار مشروع الإصلاح الديني، فعلينا أن نتوقع تحولات جديدة في الوعي ونتاجا جديدا في المعرفة الدينية؛ فـ “الفهم الديني يتغذى ويتلاءم مع المعارف البشرية، وهناك أخذ وعطاء في الجدلية الدائمة بين المعرفة الدينية والمعارف غير الدينية، وإذا حصل قبض أو بسط في المعارف غير الدينية فإن فهمنا الديني [ذاته] عرضة للقبض والبسط”6، و”إذا حصل تموج وتحول في زاوية من زوايا بحر المعارف البشرية الهائج فلن تبقى بقية الزوايا هادئة، وسيكون [ذلك] مؤثرا في إدراك الأقسام الأخرى”7.

بإمكاننا مشاهدة كيف أثر الوعي الإصلاحي -الناشئ من التعامل مع العلوم الإنسانية- في إنتاج معرفة دينية ما كان من الممكن تصورها ولا التفكير فيها لولا هذا الانخراط في هذه العلوم، وخصوصا في حقل التفسير وإعادة قراءة القرآن. وعندما نتحدث عن تفسير القرآن فإننا نمسك – في مسألة الإصلاح الديني- بالمحرك المرجعي الذي لا يقبل التفاوض، وهذا يعني -بحد ذاته- توقع تحولات فكرية من المحتمل أن تكون من سمات فكر جديد آخر، هو نتاج تطبيقات العلوم الإنسانية في المعرفة الدينية.

إستراتيجيات الممانعة والوعي المضاد

لقد وقف السلفي التقليدي من استخدام العلوم الإنسانية موقف المكفر أحيانا، على أساس أن “في تراثنا الغنى”؛ فهذه العلوم ما تزال من أنماط التفلسف الغربي، وبالتالي فإن نقل هذه العلوم أو استخدامها يسهم في تحقيق “ما هو شر من أهداف التبشير والاستعمار، بنقل الكفر بأثوابه الجديدة لتتسمم به عقول أبناء أمتنا”، ومن الأفضل النظر إليها -بحسب الوعي السلفي المختزل- على أنها “عقائد غازية”8! وهذا الوعي يجد في ملاحظة هذه العلوم دليلا على أن الخطاب الجديد خطاب مشبوه، هدفه “مسايرة الحضارة الغربية فكرا وتطبيقا”، وأنهم علمانيون في الحقيقة، أو بينهم وبين العلمانية فاصل -إن وجد- “رقيق جدا”9!

ليس بعيدا عن النمط السلفي الإسلامي التقليدي، يشتغل عقل الحداثي العربي في طبعته الجديدة المنقحة؛ إذ ما زال يفكر أن يكون الإصلاح الديني حصان طروادة، ويعقد آماله على ما عجز عنه هذا الخطاب الجديد، في “تبيئة” المفاهيم الحديثة، ونزع سمة “التفرنج” أو “الخارجية” عنها، من قبيل التعرف عليها كما لو أنها “معلومة مسبقا في النص”! فهو ما يزال يلحظ مرجعيته النصية التي تجعل منه سلفيا تقليديا بامتياز، فمهمته التي تستحق الدعم هي سحب “القبة الرمزية” (حسب اصطلاح الأنثروبولوجي جورج بالاندييه) وتوسيعها لتوطن مفاهيم الحداثة عبر بوابة خلفية.

ما استطاع الخطاب الإسلامي الجديد تكوين نموذجه المعرفي (Paradigm) بعد، لكن عناصر مكونات وآلية ترابطها وعملها تنبئان عن إمكانية قريبة. نقول “نموذج معرفي” ونحن ندرك تماما معنى أن يتشكل نموذج جديد في انطلاقة ثورية للمعرفة الدينية الإسلامية وربما النهضوية العربية على وجه العموم.

إنه ليس لنا أن نتوقف عن المراهنة على مستقبل هذه النقلة التي أحدثها الخطاب الجديد، ذلك أن المكاسب التاريخية لا تقبل التراجع والنكوص، إلا أن المهم فعلا هو إدراك تأثيرات ومآلات أحداث سبتمبر والدعوة الأمريكية الصريحة لإصلاح الخطاب الديني، في سياق حربها على ما أسمته بـ”الإرهاب” ، التي فهمت فعليا على أنها حرب “ضد الإسلام” والمسلمين.

طيلة الستة العقود الماضية دفع الصراع الأيديولوجي الماركسي – الإسلامي إلى تحول الفكر الإسلامي نحو موقف نفسي وجودي، فوجدناه يمضي شيئا فشيئا نحو هوس “الهوية” الذي عطل المشاريع التجديدية والإصلاحية في الفكر الإسلامي لصالح الدفاع عن الهوية، (كان هناك مثلا في الشام مفكرون مثل: مصطفى السباعي ومصطفى الزرقا ومحمد المبارك ومعروف الدواليبي ومحمود مهدي إستانبولي وآخرون يبشرون بمستقبل جديد للفكر الديني في سوريا)، لكننا وجدنا أنهم سرعان ما غابوا وانتهت آثارهم في زحمة الصراع الأيديولوجي المرير، لا بل كانوا عرضة لانتقادات لاذعة وصلت حتى اتهامهم بالخيانة والعمالة للغرب… إلخ! ثم شاهدنا بعدها المفكرين الإسلاميين كيف انقلب جميعهم إلى مفكري هوية.

فمن المؤكد -بالنسبة لنا على الأقل- أن مستقبل التطور في هذا الخطاب (تسارعا أو بطأ) رهن بمدى استقلاليته عن الفعل السياسي وانفراج قضية الهوية أمامه.

طالع أوراق الملف:

  • مقدمة

  • الإسلام .. ومنعطف التجديد

  • المشروع الأمريكي: تحديث الإسلام!

  • العنف.. والإصلاح الديني

  • التجديد الإسلامي وخطاب ما بعد الهوية

—————————————————————————————————

1- نميز بن خطابين: إصلاحي وتجديدي، الإصلاحي نشأ مع مدرسة محمد عبده، والتجديدي نشأ في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، حيث استبدل مصطلح الإصلاح فجأة بمصطلح التجديد، وقد كان ذلك بسبب ظروف تاريخية، انظر حول ظروف الخطابين للباحث: “التجديد من النص إلى الخطاب: بحث في تاريخية المفهوم”، مجلة التجديد، الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، العدد السادس، 1999م، ص 104-112.

2- توقفت الإصلاحية عن التطور، وأصبحت بسبب عدد من الأحداث التاريخية وممارسات أقطابها في أزمة، ما لبثت أن توقفت في منتصف العشرينيات، وتحديدا منذ سقوط الخلافة العثمانية، ومنذ نهابة الخمسينيات برز خطاب إسلامي جديد حمل شعار “التجديد” شكل نقلة في فكر الإصلاح الديني. حول ظروف ظهور التجديد وخفوت الإصلاح انظر للباحث: التجديد من النص إلى الخطاب، م.س، ص104-112.

3- مشروع بدأ التفكير فيه في منتصف السبعينيات، ثم أنشئ المعهد العالمي للفكر الإسلامي (واشنطن) على أساسه.

4- فتحي ملكاوي، هوية المعرفة، مجلة إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن ـ بيروت، العدد السادس والعشرون، 2001م، الافتتاحية.

5- إسلامية المعرفة: المبادئ العامة، خطة العمل، الإنجازات، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن، ط1، 1985م، ص210-211.

6- عبد الكريم سروش، من نظرية “القبض والبسط”، نقلا عن: محمد رضا وصفي، الفكر الإسلامي المعاصر في إيران: جداليات التقليد والتجديد، دار الجديد، بيروت، ط1، 2000م،ص303.

7- م.ن، ص.ن.

8- الشيخ عبد القادر الصافي، أسلمة العلوم الإنسانية: عنوان وهمي لا واقع موضوعي له، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1، 1993م، ص34، وص365.

9- محمد حامد الناصر، العصرانيون: بين مزاعم التجديد وميادين التغريب، مكتبة الكوثر، الرياض، ط2، 2001م، ص419.

Asya

تجديد الخطاب الديني في الزمن الأمريكي (4/5) العنف.. والإصلاح الديني

Published

on

د. رضوان السيد، مفكر لبناني، ورئيس التحرير المشارك لمجلة الاجتهاد. وقد نشر د. السيد (16) حلقة عن (الإصلاح الإسلامي: المفاهيم والآفاق) في صحيفة الشرق الأوسط من تاريخ 31/10- 1/12/2003 ونحن هنا نعيد نشر الحلقات (14-15-16) مع إعادة تحريرها، والعناوين من صنع المحرر.

أين صار المشروع الإصلاحي الإسلامي في عصر الإحيائية الإسلامية المتشددة، وفي عصر الأصولية، وبن لادن؟

كل الإحيائيين يقولون بالاجتهاد، وعلى هذا الأساس يرسمون مشاريعهم أو مشروعهم الجديد. بيد أن منهجهم لا يترك غير مساحة محدودة للاجتهاد والتجديد. فالمنهج هو منهج التأصيل. ويعني ذلك العودة المباشرة للقرآن والسنة. وتتجاوز تلك العودة المذاهب الفقهية التقليدية طبعا، كما تتجاوز القراءات القديمة والتقليدية للنص القرآني ونصوص السنة.

مرجعية الشريعة.. مفصولة عن الجماعة

وإذا عرفنا أن أكثر الإسلاميين ليسوا من ذوي الثقافة الدينية العميقة أو أنهم لم يتأسسوا فيها يظهر لنا أن الخروج على التقاليد الفقهية أو التفسيرية ما كان حريا به أن ينتج الكثير البناء، بل ربما أدى إلى عكس المراد من الرجوع إلى تلك التقاليد. ثم إن الإحيائيين والأصوليين عقائديون. والعقائدية ـ كما هو فكر الهوية ـ تعني إصغاء لحروف النص، وليس لمقاصده.

فحتى أولئك الذين عرفوا منهم (أي من الثوار السلفيين في السبعينيات من القرن الماضي وما بعد) آليات عمل الفقهاء، وتدرج الأحكام على خمس مراتب بين الحل والحرْمة، ما كانت عقائديتهم تمكنهم من الأخذ بالكراهة أو بالاستحسان أو بالإباحة إذ كانت العقائدية تقول لهم: إن ذلك كله يعتبر مساومات وتسْويات على حساب دين الله وشرعه. ويمكن مراقبة ذلك في مبحثين أساسيين لديهم، أو في المبحثين الأساسيين في الحقيقة: مبحث الإيمان والكفر، ومبحث الجهاد.

في المبحث الأول، ما احتاج الأمر إلى التطعيم السلفي، للوصول إلى التكفير. فنظرية أو رؤية الحاكمية بحد ذاتها، والمستندة إلى آيات الحكم المنزوعة من سياقها (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، والتي اشترك في إنتاجها المودودي وسيد قطب، كفت لدى الكثيرين – في الستينيات والسبعينيات – للقول بجاهلية القرن العشرين، وضلال أكثر المسلمين وسط حنادس تلك الجاهلية الجهلاء.

فالعقائدية الإحيائية لا تعرف غير الأبيض والأسود، والطهورية الشديدة، والتي لا يمكن الوصول إليها تقريبا؛ كل ذلك لا يسمح -حتى لدى الذين يعرفون فقه القرآن والسنة- باللجوء إلى التأويل، أو الاستعانة بآليات التعارض والترجيح.

…كلتا الرؤيتين تغيب جماعة المسلمين أو تلغيها، حتى لدى أولئك الذين لا يقولون بكفر المجتمعات الإسلامية، بل غفلتها. ويتبدى ذلك في مسألتين مهمتين: إحداهما فقهية، والأخرى عقدية.

المسألة العقدية تتمثل في ذهاب سائر الإحيائيين (حتى المعتدل منهم) إلى أن أصل المشروعية في الإسلام يقوم على الشريعة، وليس على الجماعة. وقد رأى الفقهاء المسلمون قديما أن الجماعة المعصومة التي تحتضن الشريعة هي الأصل في المشروعية. فقد آمنت بدين الله، وهي تعيشه، ويعصمها إجماعها من الضلال، بل ومن الخطأ والخطل الكبيرين، من دون أن يشمل ذلك أفرادها طبعا. أما القول بأن الشريعة هي أصل المشروعية، فهذا يعني وضعها خارج الجماعة، وارتهان جماعة المسلمين لحاكم أو قلة تزعم أن الشريعة بيدها.

وأحسب أن هذا كان السبب في الخلاف الكبير بين الخليفة المأمون، والإمام أحمد ورفاقه. فقد اعتقد الخليفة أن القرآن بيده باعتباره «خليفة الله»، وأنه يستطيع فرض تأويل معين للقرآن وطبيعته (مخلوق أو غير مخلوق). وليس هذا المجال باللائق للتفصيل في آثار ذلك كله، وفي تعليل لجوء الفقهاء والأصوليين إلى الإجماع باعتباره السلطة الحامية (رمزيا ونظريا للدين ولبقاء الجماعة التي تحتضن شرع الله).

أما المسألة الفقهية فتتمثل في الاختلاف حول مفهوم الشريعة أو الأحكام الشرعية، وهل هي بمقاصدها أم بعللها؟ فقد اعتقد أكثر الفقهاء المبكرين أن الإشكال ينحل بالقول: إن الأمر مشترك بين العلل والمقاصد. وكان أن وصل فقه العلل إلى أفق مسدود. ليس لأن الأحكام غير معروفة العلل أحيانا؛ بل ولتحرج كثيرين من العلماء في اللجوء إلى الاجتهاد المطلق عند عدم الوصول إلى العلل، وبالتالي صعوبة استخدام القياس أو استحالته ـ أو تحرجهم في توسيع منطقة الفراغ التشريعي التي تعطي الاجتهاد أفقا كبيرا في ظل أوليات الشريعة وليس خارجها أو بسبب محدوديتها!

والواقع أن فقه المصالح أو فقه المقاصد، جرى استكشافه وتطويره من جانب المالكية والحنابلة بالذات، والذين كانوا الأكثر اعتبارا لظواهر النصوص. قال المالكية بالمصالح المرسلة باعتبارها أصلا فرعيا أولا. وقال الحنابلة بفقه المصالح من ضمن تحقيق المناط في مباحث العلة. وقد تبعهم في ذلك الشافعية (ابتداء بالقرن الخامس)؛ لأن الإمام الشافعي ضيق المسألة من قبل عندما رد على الأحناف بسبب أخذهم بالاستحسان.

وبعد القرن السادس الهجري صـار فقه المقاصد شاملا لدى كل الذين ظلوا يقولون بالاجتهاد، ويحملون على التقليد الذي استعلت دعوته بعد استتباب المذاهب الفقهية، واعتقاد كفايتها واستغنائها عن التجديـد والتغيير. وإلى فقه المصالح والمقاصد لجأ الإصلاحيون المسلمون منذ أواخر القرن التاسع عشر استنادا إلى نصوص ابن قيم الجوزية (الحنبلي) ثم الشاطبي (المالكي، صاحب الموافقات).

هذه هي المسألة الأولى، مسألة مرجعية الشريعة مفصولة عن الجماعة. والتي أدت إلى التكفير لدى الإسلاميين المتشددين، والتي بدت في رؤية الحاكمية في الستينيات والسبعينيات.

الجهاد.. وتعميمه ضد الجميع!

أما المسألة الثانية، مسألة الجهاد فهي مترتبة على المسألة الأولى إلى حد ما. فالجهاد حسبما فهمه فقهاء المذاهب من القرآن، ومن مسالك تجربة جماعة المسلمين ودولتهم في عالم القرنين السابع والثامن للميلاد، علته العدوان (من جانب الأمم الأخرى) أو خوفه. فهو يستخدم إذا احتل الآخرون أرضا من أراضي المسلمين أو كان هناك تهديد بذلك. وحتى الجهاد الابتدائي (الذي ما كان عليه اتفاق) إنما هو ضد الخارج أو لكسر شوكته.

أما الإسلاميون المعاصرون، والذين ألغوا عصمة الجماعة، أو مرجعيتها، فقد عمموا الجهاد ليصبح ضد الجمـيع، باعتبار أن الجماعة ما عادت قائمة. وتتضح خطورة ذلك من جهتين: الحرب الدائمة من جهة، واستئثار قلة بالسلطة أو بالحق في الإمـساك بزمام الشريعة، والجهاد، حتى في مواجهة أولئك الذين كانوا يعتبرون مسلمين، أو معصومي الدم بالنطق بالشهادتين.

إن انتهاء مرجعية الجماعة يعني أنها صارت مقصودة بالدعوة، مثلها في ذلك مثل الخارج غير المسلم؛ إذ إنه حتى عندما يقال: إن الحكومة هي الضالة، وليس الناس، لا تعود هناك تفرقة أصلية، تحول دون مقاتلة الناس باسم الشريعة، لأنه لا مرجعية لهم، ولا ضمان لعدم شمول الضلال والإضلال لهم أيضا.

إن الإسلام الإحيائي والأصولي، إسلام جديد تماما. هو إسلام موضوع بيد القلة من الفتيان «الذين زدناهم هدى» كما فهم سيد قطب من النص الوارد في سورة الكهف. وهو أمر مرعب ليس للذين يشنون الحرب على الإرهاب اليوم وحسْب؛ بل -وبالدرجة الأولى- مرعب لكل أولئك الذين يعتبرون أنفسهم مسلمين، يريدون العيش العادي ضمن جماعتهم، وضمن هذا العالم.

العنف.. بين التيار الرئيسي والمتشددين

قد لا يجـوز الحكم على الإحيائيـة الإسلامية بما أدت إليه، أو بما حدث في 11-9-2001م. وأقصد بذلك أن الناظر لما كان يحدث في الثمانينيات، ما كان يظن أن شعبة من شعب الأصولية الإسلامية ستكون السبب في صيرورة الإسلام مشكلة عالمية.

ولا شك أن التطورات العقدية والقتالية (الساحة الأفغانية) ليست كافية لتعليل ما حدث، أو لفهمه بشكل كامل. ففي الثمانينيات من القرن الماضي حدث تمايز واضح بين التيار الرئيسي في الحركات الإسلامية، وبين الأصوليين المتشدديـن؛ فقد نبذ التيار الرئيسي العنف بشكل كامل، وانصرف في مصر وغيرها لمحاولة الدخول في الحياة السياسية، والمشاركة في سائر العمليات الانتخابية وغيرها.

وليس بالوسع الحديث عن خروج من الفكر الإحيائي أو فكر الهوية. لكن الحسم في مسألة العنف أمر شديد الأهمية، حتى لو لم تظهر الأنظمة العربية والإسلامية تقديرا له، أو أنها في الأعم الأغلب لم تغير من سلوكها تجاه تلك الحركات، لجهة السماح لها بتكوين أحزاب سياسية مشروعة، أو الكف عن ملاحقة أعضاء تلك الحركات، باعتبار أنهم يقومون بنشاطات لا يوافق عليها القانون. فقبل مدة مثلا أعلنت السلطات المصرية أنها لن تسمح للإخوان المسلمين بتشكيل حزب سياسي؛ لأن الدستور لا يقر إنشاء أحزاب على أساس ديني.

وكما سبق القول فإن نبذ العنف من جانب التيار الرئيسي، يعني أن هؤلاء لا يقولون بجواز القتال داخل المجتمعات «الإسلامية» من أجل الوصول للسلطة، أو بالأحرى لا يكفرون المجتمعات ولا الأنظمة التي يرغبون في التفاوض معها، وفي المشاركة في الحياة السياسية المحدودة إن أمكن. على أن هذا «الترشيد» أو «ترشيد الصحوة» ما ترك تأثيرا كافيا على المتشددين، بحيث يعيدون النظر في أطروحاتهم وسلوكاتهم؛ إذ إنهم في ذلك الوقت (1985ـ 1995) كانوا منهمكين في النضال على عدة ساحات: في أفغانستان والجزائر والشيشان والبوسنة وألبانيا، مع نشاط متزايد في الجمهوريات الإسلامية، بآسيا الوسطى والقوقاز، والتي كانت حركتها الاستقلالية عن الاتحاد السوفيتي المتهاوي تتسارع دونما تغيير كبير في البنية الداخلية؛ بل في العلاقات الدولية.

ولهذا يمكن القول: إن الأوضاع المضطربة الناجمة عن ضعف الاتحاد السوفيتي ثم انهياره، أحدثت حالة ثورية في جميع أنحاء العالم؛ لكنْ في البلدان الإسلامية بآسيا على الخصوص، حيث برزت الأطراف الإسلامية المتشددة باعتبارها العنصر الرئيسي المستفيد من حالة الفوضى والقلق وعدم الوضوح والتأكد، والتي سادت حوالي السبع سنوات بين 1988 (بدءا بخروج السوفيت من أفغانستان)، و1995 (عندما بدأت محاكمة الشيخ عمر عبد الرحمن في المحاولة الأولى لتفجير مركز التجارة العالمي بنيويورك).

لقد شجعت الحالة الأفغانية والتطورات العقدية، واستمرار المواجهات، على ظهور ما عرف فيما بعد بالجهاديين والقاعدة، وأخيرا السلفية الجهادية. فالأجواء النضالية، واحتمالات الانتصار، جعلت هذا الفكر يعتبر أنه ينجح، وأن هذا النجاح دليل على الصحة.

والحركية النضالية المتشددة لدى التنظيمات الصغيرة، توازتْ معها حركية أخرى، كما سبق القول، لدى التيار الرئيسي، باتجاه البعد عن العنف، وإرادة المشاركة، والنظر الفكري المستجد في المنطلقات والآثار. لكن حركة المراجعة هذه ما بلغت شأوا بعيدا؛ بسبب فكر الهوية القوي من جهة، وبسبب عدم التجدد -أشخاصا وتوجهات- لدى التيار الرئيسي، وقبل ذلك وبعده، بسبب الأجواء المقبضة داخليا وخارجيا. فالإقبال على الاعتدال ما لاقى استجابة كبيرة من جانب السلطات، والتيارات الثقافية السائدة. ثم إن الولايات المتحدة الأمريكية ازدادت صلفا وعتوا للانتصارية الظاهرة بالفوز على السوفيت. وكان من سوء الطالع قيام صدام حسين وقتها بغزو الكويت، بعد الاستنزاف الهائل الذي أحدثه غزوه لإيران من قبل.

تراجع الأطروحات الإصلاحية

وكان الحضور الأمريكي الذي بقي قويا بعد تحرير الكويت، إشارة إلى الموقع المهيمن للأمريكيين في «النظام العالمي الجديد» من جهة، وإلى أن الصدام بين الإسلاميين والأمريكيين حاصل وحتمي من جهة ثانية. وهكذا انهمك الطرفان، المعتدلون والمتشددون، في مصارعة الولايات المتحدة. المعتدلون بالدخول في جداليات النظام العالمي، والعولمة، وصدام الحضارات، والرد على الخصومة المستشرية للإسلام، والمتطرفون بالكفاح المسلح في ساحات القتال، وبالسيارات المفخخة ضد السفارات والمصالح وبالانتحاريين في كل مكان.

والواقع أن انسداد الأنظمة أمام الإسلاميين، وهجمة الغرب والولايات المتحدة عليهم باعتبارهم إرهابيين أو في الحد الأدنى أصوليين، أسقط -حتى لدى التيار الرئيسي- كل رغبة في الإصلاح والتجديد. فقد أعلن الإخوان المسلمون عام 1994 وثيقة إصلاحية متميزة، ثم ما لبثوا أن تخلوا عنها بحجة أن أحدا لم يستجب لها. بالإضافة إلى أن الجمهور العام الذي كان يصوت للإسلاميين، كلما أتيحت له الفرصة، ما أبدى حرصا قويا على التحول والتغيير، أو أن الأنظمة ما شعرت بضغوط كافية من جانب الجمهور، من أجل التغيير.

والطريف أن الأمريكيين كانوا يطالبون الأنظمة العربية بالتوجه نحو التغيير الديمقراطي منذ أواسط الثمانينيات. ثم تراجعوا عن ذلك بين عامي 1994 و1995. ودأبت الأنظمة منذ ذلك الحين على الشماتة بهم بالقول: لقد قلنا لكم: إن هؤلاء غير مأموني الجانب! وقد كانت هناك فورة جديدة ومطالبة بالتغيير من جانب الأمريكيين قبل 11/9 وغزو العراق، وازدادت تلك المطالبة، وصارت من مبررات الغزو والهيمنة.

لكن الأمريكيين يعودون من جديد بالتدريج لدعم الأنظمة القائمة، باعتبار أن الإسلاميين، معتدلين أو متطرفين، سيكونون هم البديل في حالة حصول تغيير سياسي، وهذا أمر ما عاد الأمريكيون يقبلونه بعد 11/9. هناك إذن مأزق فكري وثقافي يتمثل في تعملق فكر الهوية، وتراجع الأطروحات الإصلاحية والمنفتحة، وهناك الانسداد السياسي القاتل، وهناك الهجمة الأمريكية الشرسة، وهناك التطرف الذي يتنامى ويتلذذ بالبلاد معتنقوه، كالقط الذي يلحس المبـرد. وبين هذا وذاك وذلك، تنتشر حيرة هائلة بين الجمهور، تدفع على الانكماش، وتستجر المعاناة؛ فيتقوقع الناس قابضين على الجمر بين الأسى واليأس والتحدي.

الانقسامات حول مشروع التجديد والإصلاح الديني

المفكرون المسلمون اعتقدوا أن علة العلل في انحطاطهم وضعفهم إنما هي في انهيار مشروع الدولة في عالم الإسلام، وضرورة إحيائه وتجديده. ثم كان هناك من حسب أن التجديد الديني (فتح باب الاجتهاد، وإطلاق فقه المصالح) يعين على انتصار المشروع الجديد للدولة. ثم قيل إن التجديد الديني ضروري؛ لأن التخلف له أسباب ذاتية متعلقة بالأفكار والممارسات الدينية. ثم قيل: إن كل هذه الأفكار والمحاولات ما أدت إلى تقوية مشروع الدولة؛ فضلا على أنها تهددت الدين، وتهددت الهوية، وهدمتْ وعي المسلمين بالوحدة. ولذلك فالمطلوب ليس التجديد الديني، بل الحفاظ بالوسائل والطرق الملائمة على الهوية الدينية والثقافية للناس. ثم قيل: إن أقوى الأسباب لحفظ الدين، تكون باستيلائه على الدولة، لكي تفرضه سلطة شرعية على الناس من أجل خيرهم وسعادتهم.

والآن ينقسم المثقفون والمناضلون إلى فرقاء. يقول فريق كبير: إنه لا أمل في شيء قريب، والأفضل الانصراف عن محاولة أي تغيير حتى لا يستفيد الخصوم من انكشافنا واعترافنا بالضعف. ويقول فريق آخر: إن الغرب -وفي طليعته الولايات المتحدة- هاجم على الإسلام، ولا بد من الدفاع عن النفس، بالوسائل المتاحة: بيانية وثقافية وبالقوة المسلحة، حسب الإمكان في كل حالة. ويقول فريق ثالث: إن الإصلاح الديني ضروري للخروج من المأزق، الذي لا يقتصر على الهجمة الأمريكية؛ بل يتناول أيضا الاتجاهات الأصولية والمحافظة في الفكر الديني، وفي الممارسة الدينية. ويسلم فريق رابع بأطروحات المصالح وضروراتها؛ لكنه يرى أن الإصلاح الديني عملية طويلة ومعقدة وتتطلب عملا بعيد المدى وعلى مستويات عدة. بيد أن المطلوب في المدى القصير والمتوسط، ولكي يكون الإصلاح الديني ممكنا وناجحا، الانصراف بكل الطرق والوسائل للإصلاح السياسي الذي يساعد -ولا شك- في تسهيل الإصلاح والتجديد في الدين.

والواقع أن هذه الأطروحات جميعا مشعرة باليأس الذي يعتور المثقفين والعرب والمسلمين، بشكل عام. ولا علة لذلك إلا هذين الأمرين الحاضرين، واللذين يذكرهما الجميع وفي كل مناسبة: الحملة الأمريكية الشرسة على العرب، وبالذات بعد 11/ 9/ 2001، وعجز الأنظمة عن التغير والتغيير للخروج من الضعف والاستضعاف. وأضيف هنا سببا ثالثا وهو ضعف إرادة التغيير لدى المثقفين والجمهور، بحيث صار الأمريكيون، وصارت الأنظمة، العذر في كل شيء.

نواجه مشكلات كبرى قابلة للحل

إن سوء الأوضاع الحالية لا يعني أن شيئا لم يحدث على الجبهات الدينية والثقافية والسياسية في عقود القرن العشرين. وكان الصحافي والكاتب المعروف غسان تويني قد ذهب -في حوار صدر في كتاب بالفرنسية قبل بضعة أشهر- إلى أن القرن العشرين قرن ضائع ومأساوي بالنسبة للعرب بالذات، أو كما قال في العنوان: قرن للاشيء! وكيف يمكن الذهاب لذلك، ونحن نملك ثقافة عربية حديثة واحدة، ونملك لغة تعصرنت، وصارت بفضل جهود المثقفين قابلة لمعارف العصر وجهوده وإنجازاته، ونملك في الفكر الإسلامي والممارسة الإسلامية إقبالا على الروح الإسلامية (= الصحوة الإسلامية) ما عرفناه منذ حوالي المائتي عام وأكثر؟!

إن ما يجري في المجال الإسلامي بالذات، مخاض كبير؛ فقد حدث التحول من الإصلاحية إلى الإحيائية على خلفية تحطم التقليد الإسلامي. وأنا أرى أنه أنجزت إنجازات كثيرة في هذا المجال، حتى من جانب الإحيائيين. ولسنا الآن بين أحد خيارين، النجاح أو الفشل في المجال الإسلامي؛ بل الأحرى القول: إننا نواجه مشكلات كبرى، قابلة للحل، وإنه لولا الجهود السابقة لما أمكن أن تكون لهذه المشكلات حلول. فعلى سوء ما حصل ويحصل، أرى أن هناك أوضاعا جديدة الآن، وما عـاد الرجوع للوراء ممكنا. ولولا الهجمة الأمريكية لأمكن القول: إن «العنف الإسلامي» سيكون وراءنا قريبا.

المطلوب الآن الدولة الحقيقية وأن تزول الأصولية

وهناك في الحقيقة توجهان أساسيان: التوجه الذي يحاول تجديد التقليد، والمزاج الإسلامي العام قريب من هذا التوجه. والتوجه الذي لا يرى أملا في العودة للتقليد ولو بقصد تجديده، أو العودة للإصلاح بالمعنى الذي عمل له محمد عبده ومدرسته. لقد قللت في كتاباتي، كل الوقت، من شأن سقوط الخلافة الإسلامية. وما كانت الخلافة عندما ألغاها مصطفى كمال تملك أية قوة. لكن الجمهور المسلم كان متمسكا بمرجعيتها. والواقع أن الإسلام السني يعاني منذ عقود من مسألة غياب المرجعية، ومن تراجع التقليد الإسلامي الذي ترعاه المؤسسات العريقة، مثل الأزهر والقرويين والزيتونة وديوبند. والمرجعية في الإسلام السني بالذات لا تقع على عاتق مؤسسة محددة؛ بل هي روح، كانت تسمى الجماعة. وهذا معنى القول: إن الإحيائيـة جددت هذه الروح وأطلقتها من عقالها. لكنها وهي تفعل ذلك، ضربت التقليد والإصلاح على حد سواء! والمطلوب الآن أن تزول الأصولية أو تتراجع لكي لا يفقد هذا العالم الضخم المنفتح في الأصل حيويته الجامعة، والإمكانيات الكبرى التي يمتلكها للسلام مع النفس والعالم.

وفي هذا السياق بالذات تأتي مسألة الدولة. فالدولة الحقيقية مطلوبة الآن، … لتدبير الشأن العام بما يصون الوجود والمصالح. وباستقامة مشروع الدولة في عالم الإسلام، أو اتجاهه للانتظام، تتغير بالتأكيد وظائف المشروع الإسلامي وتوظيفاته. ذلك أن الخوف على الهوية ناجم عن ضعف مشروع الدولة أو قلة نجاحه، واعتقاد الإسلاميين أنهم يستطيعون بالاستيلاء على الدولة إنجاح المشروع، لاستناده آنذاك إلى الشريعة المعصومة. بيد أن الباقي من الإصلاحية الإسلامية (وهو ما لم يستطع المودودي تبديده) أن السلطة مدنية في الإسلام، وأن الجماعة هي التي تتولى الأمر من خلال الممثلين الذين تختارهم.

وأنا على بينة من تهافت مشروع محاضير محمد للإصلاح الإسلامي. لكن محاضير أقام دولة ناجحة في الاقتصاد والسياسة، فتراجعت الأصولية بماليزيا إلى حدود الـ 7% من أصوات الناخبين. ولو فشلت التجربة، لكان الأصوليون عند حدود الـ 30% من الناخبين. ومع الهجمة الأمريكية، ربما يزداد عددهم إلى ما فوق الـ 40% من المقترعين. ومن أجل ذلك بدأ الأمريكيون يفكرون بالتخلي عن الانتخابات والاقتراعات! وليس المقصود من هذا الحديث عن الدولة، تبرير فشل المثقفين المسلمين؛ بل المقصود به وضع الأمور في نصابها. والنصاب يقتضي العمل على أربع جبهات: جبهة التجديد الديني والفقهي، وجبهة تجديد وإعادة تحديد مرجعية الجماعة وآليات عملها، وجبهة الإصلاح السياسي، وجبهة العلاقة بمعارف العصر والعالم.

طالع أوراق الملف:

  • مقدمة

  • الإسلام .. ومنعطف التجديد

  • المشروع الأمريكي: تحديث الإسلام!

  • العنف.. والإصلاح الديني

  • التجديد الإسلامي وخطاب ما بعد الهوية

Continue Reading

Diyaloglar

تجديد الخطاب الديني في الزمن الأمريكي (2/5) الإسلام.. ومنعطف التجديد

Published

on

بقلم المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد

غالبا ما يطرح “التجديد” تحت ضغط حضاري إنساني لعبور الفجوة الماثلة بين الدين الإسلامي والثقافة العالمية الراهنة وأطرها الاجتماعية وقيمها المعرفية وآلياتها الدستورية والسياسية والاقتصادية.

وغالبا ما يجنح بعض المجددين لمنطق “المقاربات”؛ حيث يماثلون بين نص الشورى القرآني والديمقراطية -كخير الدين التونسي- غافلين عن تعارض المنظومتين الإسلامية والغربية ومرجعيتهما “النسقية” و”المعرفية”. وفي المقابل يجنح البعض إلى منطق “المقارنات”، منطلقين من “مثالية” المبادئ المكتسبة من الإسلام على نحو تميزه بعدالة إنسانية اجتماعية لا هي بالرأسمالية ولا بالاشتراكية، وتقنين وضع الفرد في إطار الجماعة بمعزل عن ليبرالية الحقوق الفردية الغربية وتبعاتها الاجتماعية والأخلاقية السالبة.

وما بين المقاربات والمقارنات فارق منهجي؛ فلكي تؤدي المقاربات فعلها فإنها مضطرة لإعادة قراءة وتأويل النصوص الدينية في القرآن والسنة والتراث، وبطرق ومداخل معرفية مختلفة، غالبا ما تمتد إلى إعمال الجوانب النقدية بتوجيه الاتهام إلى ثقافات المجتمعات الإسلامية التي فرضت نفسها على النص القرآني والنبوي وصادرته.

أما نهج المقارنات فإنه ينطلق من تأصيل الموروث -وليس زحزحته- وجعل التأصيل مرادفا للسلفية. وهكذا يتجدد في الحاضر الخلاف التاريخي في الماضي بين مدارس الرأي من جهة، والنقل من جهة أخرى، ولكن بخلاف في الخطاب والبراهين تبعا لمقتضيات العصر. وكما اتهمت معظم مدارس الرأي في الماضي أنها تتساوق مع الثقافة اليونانية ونتاجها الفلسفي العقلي، كذلك تتهم مدرسة المقاربات المعاصرة بالتساوق مع الثقافة الغربية ونتاجها الفلسفي.

مثيرات الاجتهاد والتجديد

يمكن القول: إن لكل اجتهاد وتجديد مثيرات دافعة له، وإلا تحول إلى تهويمات كلامية ونظرية من نوع الفضول الفكري الزائد الذي تشغل به النخب نفسها بمعزل عن تفاعلات الواقع وثقافته السائدة دينيًّا ومعرفيًّا، وفي هذا الإطار جاء اتهام فلاسفتنا العقلانيين الأوائل بالتهافت. واستقصاء السبب في ذلك وفق دراسات معاصرة بالرجوع إلى نزعتهم الإنسانية وتمركزهم حولها، وإيجاد المسوغات الدينية الكلامية لها.

فإذا كان هذا التوصيف يقر أساسا بوجود فاصل بين فلاسفتنا الأوائل وجدل الواقع بأنماطه وأطره المعرفية السائدة، أو تؤخذ عقلانيتهم -نسبيًّا- كانعكاس لتثاقف الحضارات في عصرهم، وبالذات مع اليونانية والفارسية؛ فإن هذا التوصيف لا ينسحب على حالة مفكرين عقلانيين ظهروا في القرن التاسع عشر، وأُطلق عليهم رواد مدرسة الإصلاح، وفي مقدمتهم الطهطاوي ومحمد عبده والكواكبي والأفغاني وغيرهم.

فهذا الجيل من الإصلاحيين ارتبط بمثيرات، ولكنها إرهاصية وأولية في جدل الواقع كإرهاصية أفكارهم التحديثية نفسها؛ حيث ارتبط تجديدهم وإصلاحهم بظهور إشكاليات مستحدثة كانت هي الدافع لاجتهاداتهم. فما هي تلك الإشكاليات التي تطلبت الاجتهاد؟ وهل هي نتاج لجدل الواقع من داخله أم مفروضة عليه بحكم تداخله الذي كان قد بدأ مع العولمة الأوربية التقليدية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؟

حين النظر في الأسئلة المطروحة نجد أن بعضها فلسفي يتصل بموقع الإنسان في الوجود ومدى حريته ليمارس تحقيق ذاته، غير أن الإجابة على هذا السؤال الفلسفي تنتهي إلى تحديد جوانب عملية ترتبط بموقع الإنسان من التشريعات الإلهية وتعاطيه مع نظام الحكم، ثم تلحق بذلك الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية والسياسية وحتى النفسية.

قد كانت هذه الأسئلة الإشكالية مطروحة من قبل؛ أي طوال مرحلة ما بعد الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، غير أنها طُرحت في نسق حضاري ومناهج معرفية ذات اتساق تقليدي؛ حيث تتشكل أنظمة الحكم تبعا للغلبة أو الأعراف الاجتماعية ذات الشرعية في واقعها القبلي أو العصبي، وكانت الأسئلة الثقافية والاجتماعية تتسق مع المجتمعات الرعوية والزراعية اليدوية والتجارية الوسيطة، وكان العرف -في الأغلب- يتولى الإجابة على هذه الأسئلة أكثر من الدين إلا في الجوانب الفقهية النصية، ولم يشغل الناس أنفسهم كثيراً بماورائيات الفقه من أصول فلسفية وكلامية؛ فالمنظور لقضايا التعدد في الزوجات، وما أسمي بالحجاب ودونية المرأة بالنسبة للرجل هي تبعاً للمنطق العرفي والثقافة السائدة، فلم تطرح مشاركة المرأة للرجل كإشكالية تتطلب الاجتهاد.

كما أن الموقف من نظام الحكم يرتبط بمعادلتي أو ثنائيتي العدالة والظلم، وليس بالضرورة بآليات الاختيار والانتخاب للخليفة أو الوالي أو الحاكم.

إضافة إلى أن إشكاليات الفائدة على رأس المال وعملية تدوير رأس المال في البيوع أو الاستثمار كانت معرفة في حدود الموقع الثانوي للعملية الرأسمالية في إنتاج رعوي زراعي يدوي وتجارة تقليدية لا تستند إلى صناعة آلية؛ فتلك كانت لوائح وقانون “حسبة”.

الإشكاليات في سياق العالمية الأوربية والأمريكية

الآن تتخذ الإشكاليات مضموناً آخر في مجتمعات عربية وإسلامية آخذة بالتحول النوعي وليس الكمي. فهناك عالمية أوربية أمريكية تأسست أولاهما منذ القرن السادس عشر ثم امتدت أمريكيًّا إلى عصرنا الراهن. هذه العالمية لها نواة داخل مجتمعاتنا نشأت منذ بداية عصر الاستعمار الأوربي في القرن التاسع عشر فيما نشير إليه بالقوى الاجتماعية الحديثة المفارقة في تركيبها لقوانا الاجتماعية التاريخية التقليدية.

فهذا التداخل بين العالمية الأوربية الأمريكية المهيمنة ونواة القوى الاجتماعية الحديثة داخل مجتمعاتنا التقليدية يثير اهتزازات على مختلف الصعد، من الثقافي وإلى الاقتصادي والاجتماعي والفكري، وتنبسط هذه الاهتزازات على مدى ما سمي بفكر النهضة “1789 – 1940″، ثم فكر الثورة “1950 – 1967″؛ فمع صغر حجم قوانا الاجتماعية الحديثة فإن ارتباطها بالعالمية والعولمة تجعل منها “طليعة” لطرح الأسئلة/الإشكاليات.

فهذه القوى تريد وضعا للمرأة مشاركا للرجل، وترفض دونية المرأة، وتعدد الزوجات، وترفض ما يسمى الحجاب. وتريد حرية تمارس لذاتها، وليس حصرها في الاجتهاد الديني فقط ضمن أرستقراطية العلماء، ولو كان مؤدى الحرية النظام العادل، فالحرية هنا مطلوبة بمنطلق ليبرالي متصل بالوجود الإنساني نفسه، وليس علاقته بالله سبحانه؛ بما يعني ثقافة اجتماعية جديدة وتثاقفاً فكريًّا جديدا.

وتريد تدوير رأس المال بمنطلق ليبرالي اقتصادي بما يستبعد ما تفهمه من نصوص في الربا المحرم أو زكاة مع وقف عقوبات الجلد والصلب وقطع الأيدي، وتريد إخراج الإنسان التقليدي من أي بوتقة حصرية، وبالذات الدينية ليكون هو مرجع نفسه دون مرجعيات أو أصول مقدسة تمارس الرقابة عليه وتوجيهه إلى مستوى التفاصيل.

القوى الاجتماعية المفارقة وتفكيك البنى الفوقية

هذه الثورة النسبية الضمنية التي تُحدثها قوانا الاجتماعية الحديثة -على صغر حجمها وقدراتها الواقعية التي تجد التعزيز من العولمة- إنما تسعى لتفكيك “الأطر الفوقية” في بنية مجتمعاتنا التقليدية، وإلغاء السلطة المعرفية لهذه البنى، بداية من أنظمة الحكم وإلى دور العلماء والمشايخ.

فهذه الثورة النسبية الضمنية هي التي تطرح هذه الأسئلة بمستوى “الإشكاليات” وهي التي تعض بالنواجذ على مقاربات في التراث لأسئلتها هذه في إطار التوجهات العقلانية -مثلا- لأبي الوليد بن رشد “1126/1198م” الذي قارب ما بين الشريعة الدينية والحكمة الفلسفية، وابن طفيل الأندلسي “1106/1185م” الذي أوضح تأثير البيئة الطبيعية في تكوين الإنسان، وابن خلدون “1332/1406م” الذي أوضح أثر العوامل الاجتماعية، وابن الصايغ محمد بن باجة “المتوفى عام 1139” الذي انشغل بمراحل التطور العقلي للإنسان.

هذا إذا اعتمدت ما في تراثنا من عقلانية ولم تحدث قطيعة معرفية معه وتتحول باتجاه العولمة الغربية الصاعدة، تطلعاً للانعتاق الليبرالي المطلق والذاتي أي باتجاه عدمي.

التجديد الحداثي.. والعصرنة المفتعلة

فالتجديد المطلوب هو هدف هؤلاء، وللإجابة على أسئلتهم الإشكالية فإنهم يطلبون من المجتهد أن يخدم أغراضهم ونواياهم للدفع بثورتهم الضمنية والنسبية إلى مدى تغيير القيم نفسها، الدينية السائدة أيديولوجيًّا وثقافيًّا، أو العرفية التقليدية لمجتمعات ما قبل الصناعة.

وغالباً ما يجد هؤلاء ضالتهم في العصرنة المفتعلة لدى عديد من الكتاب والمنظرين المسلمين من ذوي الاتجاهات العقلانية والتحررية، ويتخذ هؤلاء من نقد التراث ومن بعض آيات القرآن التي تقرأ مجزأة أدلة على هذه العصرنة بمنطق تأويلي يفارقون به أصول المنهج العلمي نفسه في التعامل مع كلية النص؛ باعتباره منتِجاً لحالة ثقافية كلية وبالتالي لا يمكن تجزئته.

فهم يمارسون بمنطق “التجديد” والرأي ما يعيبونه على مدرسة النقل والسلفية والتأصيل، من تجزئة للنص وانتقائية له خارج سياقه الكلي، حالهم في ذلك حال المقتسمين الذين انتقوا النصوص المجزأة “كَمَا أَنزَلْنَا عَلَى المُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ” [الحِجْر 90 – 91].

فلإبطال تعدد الزواج يتم الاستدلال بجزء من النص القرآني “فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً” [النساء 3]، وكذلك “وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ” [النساء 129].

ويستخدم الأسلوب التعضيني ذاته لإبطال آيات الجهاد والسيف؛ حيث يتم الاستدلال بآيات الحوار والمجادلة الحسنة “ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ” [النحل 125]، وكذلك “لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ” [البقرة 256]، ويضاف إلى ذلك مفهوم الوسطية والاعتدال انطلاقاً من “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا” [البقرة 143]، وعلى مستوى التعايش بين الأديان في إطار دستوري يرجعون إلى عهد الصحيفة الذي أمضاه الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار واليهود في المدينة المنورة في السنة الأولى للهجرة (الموافق 622 / 623)، ثم كذلك يتخذون الأمر الإلهي بالشورى مدخلا للديمقراطية: “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ” [الشورى 38].

بل ويستطيع بعضهم أن يجتزئ من القرآن ما يجعل الإسلام ديناً اشتراكياً بمثل ما جعل شاعر عربي من محمد إماماً للاشتراكيين! هؤلاء اجتهدوا بأنفسهم أو بغيرهم لأنفسهم، وهو اجتهاد يخونون فيه المنهج العلمي في قراءة كلية النص الكلي وليس التجزئة والتعضين والانتقاء. ولو بذلوا في فهم النص الكلي من داخله العضوي الموحد ما بذلوه في تبيان نظراتهم لأسهموا في التجديد النوعي بمصداقية كبرى.

للقرآن منهجه وضوابطه الذاتية

فلهؤلاء أقول تقديرا لحسن نواياهم، ومحاولتهم تحسين صورة الدين: إن للقرآن منهجه وضوابطه في وزن كافة هذه الأسئلة/الإشكاليات والإجابة عليها، فهناك كتاب وميزان وقسط “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ” [الحديد: 25].

فالقرآن ليس آيات تسيل تبعاً لكل منهج وغرض؛ فهناك “ميزان/منهج” ضابط للتناول، وبصرامة كحديد الأرض الصلب. فالقول بأن الإسلام اشتراكي أو رأسمالي أو هو وسط بينهما قول غير منهجي، فليس الإسلام باشتراكي أو رأسمالي أو وسطي تلفيقي وانتقائي أو توفيقي بينهما، إنه هو في ذاته.. هو هو، الإسلام إسلامي، ومواقفه إسلامية نابعة من ذات منهجه.

ولا تماثل شورى الإسلام بالديمقراطية الغربية، ولا يمكن القول بديمقراطية إسلامية؛ فالفارق بين النسقين قائم منهجيًّا، وإن لم تطبق الشورى الإسلامية يوماً في تاريخنا من بعد الحقبة النبوية الشريفة إلا لمما وجزئيا، فللشورى الإسلامية منهجها الإسلامي؛ فهي شورى إسلامية من ذات المنهج.

والإسلام إذا أمر أو لم يأمر بشرعة السيف بديلاً عن الحوار، وإذا أمر أو لم يأمر بشرعة الإصر والأغلال صلباً من خلاف وتقطيعاً للأطراف ورجماً للزاني المحصن وجلداً لغير المحصن؛ فإن مسوغات ذلك تصدر منه، من ذات منهجه، سواء توخي الرحمة أو العذاب، فعوضاً عن مدارات هذه النصوص أو الدفاع عنها بمنطق من خارج نسق القرآن، فإن المطلوب هو البحث فيها قرآنيًّا ومن خلال القرآن وداخله.

طالع أوراق الملف:

  • مقدمة

  • الإسلام .. ومنعطف التجديد

  • المشروع الأمريكي: تحديث الإسلام!

  • العنف.. والإصلاح الديني

  • التجديد الإسلامي وخطاب ما بعد الهوية

Continue Reading

Amerika

تجديد الخطاب الديني في الزمن الأمريكي

Published

on

بقلم/ الكاتب الباحث السوري معتز الخطيب

اكتسب تعبير “التجديد” شرعيته من وروده في حديث نبوي شهير، ومع ذلك شهد عبر تاريخه التباسًا واشتباهًا أيضًا، نتيجة التنازع حول شرعية مدلوله، وهو وإن كان في التراث الإسلامي كاد أن يطابق مفهوم “الاجتهاد” بالمعنى الفقهي، فإنه بدءًا من بدايات القرن العشرين تحول من النص إلى الخطاب، واكتسب زخمه بعد خفوت وهج مدرسة الإصلاح التي نُسبت لمحمد عبده رحمه الله والتي قامت على أساس الوعي بالعصر، وبالفجوة الماثلة بين الغرب والعالم الإسلامي، وكانت فكرة مناهضة الاستعمار (الأوربي) والهيمنة الثقافية تقع في القلب من انشغالاتها. ومع ذلك بقي مشروع التجديد قاصرًا على فئات نخبوية ولم يتحول إلى عمل مؤسسي واسع، فضلاً عن حديث الصحافة.

لكن خطاب التجديد أو الإصلاح، منذ تاريخ 11 سبتمبر 2001م شهد تحولات مثيرة، فتحول من قرار داخلي، إلى مطلب خارجي للاستعمار الجديد (الأمريكي) ليسري بعد ذلك إلى قرار سياسي، وتلهج ألسنة النخبة الثقافية، والمؤسسة الدينية الرسمية بالحديث عنه، ويتحول إلى حديث الصحافة اليومية ويدخل فيه كل الاتجاهات الفكرية والدينية، ومن هم خارجها أيضًا.

إنه لا يمكننا الحديث عن مصطلح محدد للمشروع الأمريكي المتعلق بالخطاب الإسلامي الراهن، فتارة هو “تجديد” وأخرى هو “إصلاح”، وثالثة غير ذلك… إلخ، ويبدو أن “الإصلاح” هو الأكثر تداولاً في الخطاب الأمريكي، وهذا الإرباك سرى إلى الخطاب العربي الثقافي والديني الرسمي، فلا يمكن الحديث فيه عن “مصطلحات” محدودة بحد، فالسياسي مثلاً تارة يعبر بالإصلاح، وأخرى بالتطوير، وثالثة بالتجديد، والديني وجد في “التجديد” مفردة لها شرعيتها النصية فألح عليها، والأمر نفسه سرى إلى الثقافي.

ومع ممارسات “تنظيم القاعدة” وخطابه الديني-السياسي المشبع بالعنف ضد “الكفرة” من “اليهود والصليبيين”، وحديثه عن “حتمية الصراع بين الإيمان والكفر” تحول الإسلام إلى مشكلة عالمية، واتسع الصراع عليه -تفسيرًا وتوظيفًا– ليشمل كل التوجهات الإسلامية وغير الإسلامية، المتفقة والمختلفة مع القاعدة والأنظمة السياسية العربية والغرب، وخصوصًا أمريكا صاحبة مأساة سبتمبر، بمعنى أن “مصائر الإسلام التي كانت موضع نزال بين الإسلاميين والأنظمة العربية والإسلامية صار يشارك في تحديدها –أو يحاول ذلك- كل من يعتبرون أنفسهم متضررين من المتشددين المسلمين في العالم”.

بذلك أوجدت أحداث سبتمبر “مشروعية” -بمنظور أمريكا؛ “المتضرر” الأكبر من “الإرهاب الإسلامي”- للحديث عن التغيير والإصلاح، على مستويات مختلفة، وبأدوات مختلفة -بما فيها القوة العسكرية في أفغانستان والعراق- ومن ضمن مشروع التغيير هذا كان: “نشر الديمقراطية في البلدان العربية والإسلامية” و”تجديد الخطاب الديني” -الإسلامي تحديدًا- وتغيير مناهج التعليم، وملاحقة الجمعيات الخيرية، تحت عنوان “الحرب على الإرهاب” الذي صكته لهذا المشروع الطويل غير المحدود -زمانًا ومكانًا ومفهومًا.

هذا الملف يبحث “تجديد الخطاب الديني” بعد 11 سبتمبر 2001م (الزمن الأمريكي)، وقد تم تحديد أسئلته لتكون على أربعة محاور:

في المحور الأول: “الإسلام .. ومنعطف التجديد” تحدث المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد عن مثيرات التجديد، ومنطقه، ونشأة إشكالياته في سياقها الداخلي، ثم العالمي (الأوربي ثم الأمريكي)، وموقف القوى الاجتماعية المفارقة لمجتمعاتنا التقليدية من تطوير البنى الفوقية.

وفي المحور الثاني: “المشروع الأمريكي: تحديث الإسلام!” تحدث الباحث معتز الخطيب عن ملامح الرؤية الأمريكية لتجديد الخطاب الديني (الإسلامي) ضمن سياقها بناء على رؤية مركبة، ودراسة تحول مشروع التجديد من مطلب ذاتي إلى إرغام أيديولوجي خارجي (الاستعمار الجديد).

في المحور الثالث: “العنف.. والإصلاح الديني” بحث المفكر اللبناني رضوان السيد نشأة العنف الإسلامي في مفاصله الرئيسة، وعلاقته بالإصلاح الديني، محاولاً قراءة مصير المشروع الإصلاحي الإسلامي في عصر الإحيائية الإسلامية المتشددة.

أما المحور الرابع: وهو “التجديد الإسلامي وخطاب ما بعد الهوية” فحاول فيه الباحث السوري عبد الرحمن الحاج رسم تصور لمستقبل ما سمي بـ “الخطاب الإسلامي الجديد” (نشأ بعد سقوط الأيديولوجيا الماركسية) -التي حشرت الخطاب الإسلامي في هوس الهوية- وإدراك تأثيرات ومآلات أحداث سبتمبر والدعوة الأمريكية عليه.

طالع أوراق الملف:

  • مقدمة

  • الإسلام .. ومنعطف التجديد

  • المشروع الأمريكي: تحديث الإسلام!

  • العنف.. والإصلاح الديني

  • التجديد الإسلامي وخطاب ما بعد الهوية

Continue Reading
Advertisement
MEDIUM RECTANGLE