Connect with us

Published

on

كتبه : د.كوناتي موسى عمر، باحث وداعية من غينيا كوناكري

أنجبت القارة الإفريقية عبر تاريخها أفارقة وطنين نبغوا في ميادين علمية وفكرية مختلفة، وكان في استطاعتهم لو أتيحت لهم فرصة المضي قدما في مشاريعهم العلمية والفكرية أن يعطوا إفريقيا وجها مشرقا، غير أن عوامل خارجية ممثلة في الاحتلال الوافد الذي كان من أهدافه المضمرة طمس الهوية الإفريقية من الوجود ومن ثم ترسيخ تهم الأوصاف الموبوءة بها وبشعبها، استطاعت أن ترسخ تلك الأباطيل في بطون كتب تاريخية ما تزال الشعوب والأمم تتناقلها دون تمحيص وتعيد الأقلام غير الموضوعية تلك الأفكار الخرافية التي سلبت إفريقيا والأفارقة من كل القيم الحضارية وجعلتهما ضحايا التصور الخاصئ.

إن اضمحلال الهوية اللغوية لإفريقيا كان من أخطر ما تعرضت له القارة إبان فترات الاحتلال ، لأن المحتل فرض لغته علينا، وإن هذا مما حكم على اللهجات الإفريقية بالضياع، حيث لم يوجد من يصرف اهتمامه إلى إحيائها بالكتابة وإخراجها في صورة اللغة الحية، ولذا، كان من الطبيعي جدا أن تتأخر القارة في كتابة لهجاتها، بالإضافة إلى الملاحقات السرية التي استهدفت أشخاصا أهابت جرأتهم الفكرية المحتلين، ولقد قزم كل ذلك إلى حد ما النبوغ الإفريقي في المجالات الفكرية والعلمية. وليس من المستغرب أن نرى الكثير من اللهجات الإفريقية لم تستطع أن ترتقي إلى مصاف اللغات المكتوبة المسماة في الوقت المعاصر باللغات الحية، فأنى لها أن تحظى بشرف ذلك وقد كانت ضحية التقزيم المتعمد.!!

بيد أن إرادة الشعب لا تموت، وليس بقدور أحد أن يبقي عليه أو يحول دون يقظته، وهذا ما وقع فعلا، لأنه في غمرة تلك الأوضاع التعسفية التي عانت مرارتها إفريقيا والأفارقة معا، برز رجل موهوب من سفانا غينيا العليا، كان أحد الرؤوس الفكرية التي نجت من تلك الملاحقات ومن ذلك التقزيم، فاستطاع بفضل ما وهبه الله من العلم، أن يخترع الحروف الهجائية للغة “أنكو”، وهي اللغة التي تتكلم بها مجموعة من القبائل في غرب إفريقيا. ولقد عانى في سبيل مشروعه الفكري العناء الشديد من أشخاص شتى، وكل واحد منهم كان يحاول أن يطمر المشروع الكانطي لهدف أو لأخر، لكنه تمكن بتوفيق من الله بتحقيقه، لذلك من الأهمية بمكان أن أدرس حياة كرامو كانطي سليمان ، وأن نسلط الضوء على مسيرته الفكرية بيانا لقيمتها وتوضيحا لها.

حياته ونشأته:

ولد المفكر النفاجي في حدود عام 1922م بكولوني في سومانكوي بضاحية عاصمة بلاد السفانا “كانكان”، وتعد هذه البلدة إحدى بلدات منطقة باطي ماندن(Bate Mandén) وكان والده يدعى أمارى كانطي، وأما والدته فتسمى جاكا كيتا، لقد كان والده أحد الأشخاص الذين شملهم التعليم الإجباري الذي نظمه الإمام ساموري توري لشباب سومانكوي وواسلون (Wasolon). وقد فعل الإمام ذلك كسبا لثقة سكان المنطقة وجلبهم إلى صفه، ويندرج هذا ضمن مشروع محو الأمية الذي رسمه الإمام، ويمكن أن يسجل ذلك في سجل اهتماماته الدينية والتربوية. بدأ كانطي مسيرته العلمية على المدعو نايانلن سدكي شريف في شريفولا بسومانكوي. وظل في القرية إلى جوار والديه كما هو شأن كل أطفال القرى الإفريقية حتى بلغ السن السابعة، وهي السن التي اعتاد الأفارقة المسلمون على تمدرس الأطفال فيها، فالتحق بكتاب والده عام 1928م وظل به سنوات وهو يخدم الكتاب والوالد، ممارسا في الآن ذاته الفلاحة والتعليم ظالا على ذلك فترة من الزمن.

بقي يخدم الوالد حافظا عليه بعض قصار السور مسيرا معه الكتاب إلى حدود عام: 1941م، وخلاله، أصيب بصدمة وفاة والده، وقد سببت له هذه الوفاة المفاجئة صدمة نفسية قوية شعر جراءها بالإحباط، إذ قضى أياما وهو يعاني في الصمت المطبق لوعة هذه الوفاة، فإن كان هذا الرحيل قد خلق لكانطي ما خلق، فإنه أيضا قد شكل حدثا بارزا انعكس سلبا على القرية والتلاميذ والكتاب على حد السواء، حيث فقدوا جميعا رجلا أعطى لبلدتهم وجها جديدا بانيا صرحا قرآنيا عظيما في منطقة باطي.

ظل إلى جوار إخوته الأب وهو يرأس التلاميذ، ليجد نفسه أمام مسئولية جسيمة لم تكن له القدرة الكافية على تحملها، ولما لم يكن هناك التأطير الجيد للكتاب، تفرق كبار التلاميذ في أرجاء القرية. إضافة إلى قلة المردودية التي كان من شأنها ضمان معيشة التلاميذ الوافدين، ومعلوم أن تلامذة الكتاتيب بإفريقيا كثيرا ما يقطنون في دار الفقيه الذي يضمن لهم المعيشة والمبيت، وهكذا كانت أحوال الكتاتيب بإفريقيا في قديم الزمان، وأمام هذه المشاكل المتراكمة التي لم يقدر كانطي وإخوته على حلها، كان مصير هذه المعلمة القرآنية التي أرسى الوالد دعائمها في المنطقة السقوط عام:1943م، ولقد كان كتّابا مثل دورا عظيما في الإشعاع القرآني، ولكنه اضمحل نتيجة العوامل سالفة الذكر، وكان هذا من أسباب انفصاله عن الدراسة بصفة مؤقتة في حدود عام 1943م إذ رحل إلى ساحل العاج حيث اشتغل بالتجارة. بيد أن المعطيات التاريخية التي اطلعت عليها لم تذكر لنا ملابسات هذا الانفصال لكانطي، غير أن الفضول العلمي دفعني إلى هذا التساؤل الملح الذي مكمنه: هل أن انفصاله عن مواصلة الدراسة كان مرتبطا بمشاكل عائلية ممثلة في النزاع الذي كثيرا ما يندلع بين الإخوة الأب حول التركة كما هو الحال بإفريقيا، أم أنها كانت مادية كما سبق أن أشرت.؟ وعلى أية حال تبقى أسباب هذا الانفصال بالنسبة إلي غامضة.

رحلته

رحل عن البلدة متوجها صوب البلاد العاجية(ساحل العاج) سالكا طريق كوروسا، ولسوء الحظ، طلب منه مضيفه هناك العودة الفورية إلى بلدته من جديد محذرا إياه من التجنيد الإجباري الذي تقوم به السلطات الفرنسية في المنطقة استعدادا للحرب العالمية الثانية التي ستخوض غمارها مع الحلفاء في محاولة منهم للإطاحة بالنازية التي أربكت العالم. لم يكن له مندوحة أخرى غير قبول عرض المضيف ومن ثم الرجوع من حيث أتى.

بيد أنه ما لبث أن أعاد الكرة ثانية، حيث خرج عام:1944م قاصد البلاد العاجية متحديا المخاطر المتمثلة في التجنيد الإجباري تارة وفي الحرب الشرسة الوشيكة بين الحلفاء وخصمهم اللدود أدولف هتلر تارة أخرى، ولانعدام المواصلات ووعورة الطرق، اقتضى الأمر أن يسلك الطريق البرية ماشيا على الأقدام مارا بكوروكو أحد كبريات المدن الواقعة في الجنوب العاجي غير مكترث بالرقابة الصارمة التي تفرضها القيادة الاستعمارية على الطرق، علما أنه لو سقط في شباك الأسر لكان مصيره حتما إلى السجن. ولكن روح اكتشاف العالم العاجي مدته بطاقة نفسية لا تنكسر، فتابع سيره مارا بعدد من المدن والقرى، وبلغ العاصمة العاجية “بنزرفيل” حيث كان يمارس تجارة الكولا بينها وبين كوماسي، وفي الوقت ذاته كان يختلف إلى بعض الشيوخ قصد التعلم عليهم.

الانطلاق

من المعلوم أن المناطق الإفريقية عجت منذ فجر الاستقلال بالجاليات الأجنبية من كل الأجناس، وما تزال الوتيرة مستمرة حتى الوقت الراهن، هذا، وتعتبر الجالية اللبنانية الأكثر حضورا بإفريقيا، ولقد تسربوا عبر المناطق الإفريقية مبكرا جدا، ونجد من أسباب هذا التسرب مشكلة الحرب الأهلية التي أهلكت الأخضر واليابس في لبنان في فترة من الفترات، وأدت إلى نزوح الجموع الغفيرة عبر العالم، على أن العالم الإفريقي كان الأكثر تأثرا بهذا النزوح اللبناني، واليوم تشكل الجالية اللبنانية قوة اقتصادية مهمة بإفريقيا، بل وإن عددا منهم قد تجنسوا في البلاد التي يقطنونها.

كان كانطي عام: 1944م يتجول في أحد أسواق مدينة بواكي، واجتذبه عنوان مقال في أحد محلات بيع المجلات، فذهب وأخذ من ضمنها مجلة، وإذ هو يتصفحها، فإذا به يرى أن المقال لكاتب لبناني يدعى “كمال موري”، كان مقيما بساحل العاج، ويبدو أن إدارة المجلة اللبنانية هي التي طلبت من هذا الكاتب أن يسلط الضوء على حياة الجالية اللبنانية المقيمة في المستعمرات الفرنسية والإنجليزية بإفريقيا، وفي إطار ذلك، تحدث الكاتب عن جغرافية وديمغرافية البلاد المعنية بالدراسة، وتطرق أثناءها إلى العادات والتقاليد وكذا المظاهر الاجتماعية والعقدية والثقافية لشعوب تلك المناطق الإفريقية التي يقطنها سواد أعظم من جاليتهم، وخلص في ختام مقاله إلى نتائج منها أن لساحل العاج وحده لهجات محلية متعددة تصل –حسب الكاتب- إلى 77 لهجة، غير أنها على الرغم من هذه الكثرة فليس منها ما يكتب، وأنى لها أن تحظى بالكتابة وأصحابها لا يكلفون أنفسهم عناء إيجاد الوسائل الممكنة لكتابتها، ممثلة في وضع الأبجدية الخاصة بها، والسبب في نظر الكاتب راجع إلى كون هذه اللهجات لا تتوفر على قواعد نحوية منظمة وإنما على مجرد الأصوات التي لا تتوافر فيها ضوابط الكتابة. وأن هذا مما يدفع الأفارقة إلى ترجمة لهجاتهم إلى اللغة الإنجليزية وبحروف لاتينية طبعا، مشيرا في السياق ذاته إلى أن قبيلة فينكا في ليبيريا تمتلك أبجدية ولكنها ناقصة ومزدوجة، دون نسيان ما يتخللها من كثرة راءات (جمع الراء) وتتكون من 150 حرفا، مضيفا أيضا إلى أن هذه الأبجدية الفينكية بالرغم من كونها غير تامة، إلا أنها أفضل بكثير من لهجة لا تتوفر على شيء كما هو الحال بالنسبة لمعظم اللهجات. انتهى. كلام في الحقيقة واقعي لا مهرب منه، وما أن قرأه كانطي حتى اعترف بصدق قول الرجل.

رحلة البحث عن المجهول:

شعر كانطي بعد إتمامه قراءة ذلك المقال بتأنيب الضمير، والمقال بالرغم مما يتضمنه من الحقيقة المرة، فإنه قد حفزه وحرك ضميره باعثا فيه عزيمة البحث وروح التنقيب، فعكف سنوات على البحث الحثيث عن المجهول المتمثل في الحروف الهجائية للهجته الأم التي هي لهجة أنكو.

وفي عام: 1944م، جرب كتابة اللهجة الماندنكية في الحروف العربية، بيد أن هذه الطريقة لم تنجح، فعدل عنها عام: 1945م إلى اللغة الفرنسية، ولكنها أيضا لم تستجب لأدبيات هذه اللهجة، فتيقن أن كتابتها في اللغات الأجنبية غير ممكنة الوقوع، ولقد كادت هذه المحاولة الأولى غير الناجحة تسبب له الإحباط، حيث انصرف عن متابعة مسيرة البحث ورجع إلى مزاولة مهنة التجارة ريثما تتاح له الفرصة الملائمة لمواصلة مشروعه الفكري الصعب. وما لبث غير هنيهة حتى استأنف رحلة البحث من جديد، مما يدل على أن عزيمة المفكرين لا تخمل ولا تموت، لهذا، لم يستسلم للهزيمة التي لحقت به في التجربة الأولى، وإنما واصل حفر المسار بأساليب أخرى آملا دائما التوصل إلى النتيجة المتوخاة، وما كان له هذه المرة إلا أن يضاعف الجهود ويستمر في التنقيب، مؤمنا أشد ما يكون الإيمان بأنه سيضع يده يوما ما على ما يبحث، وكما يقال: كلما بحث المرء وجد جديدا وهذا غاية ما يسعى إليه كانطي.

وأقف هنا وقفة التأمل لأبين أن استمراره وجدَه في البحث ومثابرته على ما يصادفه خلاله من الصعاب والمشاق، راجع بعد الله تعالى إلى صديق شجعه على المضي قدما في تحقيقه، وطمأنه بالوقوف إلى جانبه ماديا إن هو احتاج إلى شيء من هذا القبيل، غير أن كل ما يهمه هو أن يستأنف المشروع. وما كان له إلا العمل بنصيحة صديقه والانطلاق من جديد،. وفي الوقت الذي عقد كانطي العزم على خوض غمار التجربة من جديد، تزامن ذلك مع مجيء أخيه الأكبر المدعو “جاكا موري” من القرية إلى أبيدجان طالبا منه الرجوع إلى القرية للزواج، ومعلوم في العادة الماندنكية أن الشاب إذا رحل إلى الخارج ومكث هناك حتى بلغ سن الزواج، فإن الأسرة ترسل إليه وابلا من الرسائل طالبة منه العودة إلى مسقط الرأس للزواج، وإن لم يستجب فقد توفد إليه شخصا من أفرادها لإحضاره عنوة وهذا ما فعله أخو كانطي به. ولم يكن له خيار المخالفة عن هذا الطلب الأسري الملح، لأن رفضه يعني حتما تحديا للوالدين إن كان حيين يرزقان أو عصيانا سافرا لمن يمثلهما من الأعمام والأخوال وغيرهم من أسياد القبيلة. لهذا، رجع صحبة أخيه إلى القرية أواخر عام:1948م، وتزوج عام:1949م ثم عاد إلى أبيدجان في نفس العام وواصل عمله بلا ملل ولا كلل حتى وفقه الله تعالى هذه المرة التي وضع فيها الأبجدية للهجة الماندن إحدى اللهجات الإفريقية الأكثر شيوعا في غرب إفريقيا، وكان ذلك في الرابع عشر من شهر أبريل من عام:1949م، وبذلك تحقق لكانطي ما ظل يحلم به أعواما حيث تنفس سعيد جدا.

الحكمة الكانطية:

كان من حكمة كانطي أنه لما أتم العمل، وجد نفسه أمام أمر محير تمثل في وضع الاسم المناسب والجامع لكل القبائل التي تتكلم لغة الماندن على اختلاف فصائلها ومناطقها وبلدانها. فاهتدى بعد الدراسة والتفكر العميق إلى أن يسميه بـ أنكو، ولكن، لماذا لم يسمه مثلا بلغة الماننكا؟ سؤال وجدته جديرا بالمناقشة والتحليل. أقول إن التاريخ الماندنكي تاريخ ممتد الجذور متشعب الأحداث، والأمة الماندنكية أمة عريقة، ولست مبالغا إن قلت إن الماندنغ كما يقال قد صنعوا لإفريقيا تاريخا حفل بالعزة والمجد في المسارين الإسلامي والسياسي، بل وسطروا في مضمار الكفاح المسلح بالقارة المواقف البطولية، ويكفي أن يقرأ المرء تاريخ إمبراطوريتي مالي وبيساندو اللتين ما تزالان بالرغم من مرور الأزمان الطوال مذكورتين في متاحف التاريخ. هذا، فإن القبائل الماندنكية متعددة، وأسماؤها ولغاتها بناء على ذلك متباينة، فمنذ أن سقطت إمبراطوريتهم التي كانت مهيمنة على غرب إفريقيا في فترة من فترات التاريخ، فإنهم قد تشتتوا في الأمصار، فمنهم من ظلوا في مالي البلد الأم، بينما السواد الأعظم منهم نزحوا إلى كل من غينيا، وليبيريا، وسيراليون، وساحل العاج، وبوركينا، فاصو، والسنغال، وغامبيا، ويوجد منهم نزر بغينيا بيساو ومناطق أخرى بغرب القارة، ومع ذلك، ظل أصل اللغة الماندنكية القاسم المشترك بينهم، وللعلم، فإن الغالبية منهم مسلمون، بل ولم يكتفوا بمجرد اعتناق الإسلام وإنما عملوا خلال الهجرات التي قاموا بها داخل المناطق التي رحلوا إليها في إطار التجارة على أسلمة القبائل غير المسلمة، ولهم في هذا المضمار جهود دعوية مقدرة.

غير أن هناك أمرا حريا بالملاحظة، ويكمن في التغيير الذي حصل في أسامي هذه القبائل، فأسماء القاطنين منها بغينيا مثلا ليست هي أسماء القاطنين بساحل العاج وهكذا، وحتى تكون هذه القبائل كلها معنية بالقضية، ارتأى مفكرنا كانطي أن يضع اسما جامعا لهذه القبائل فأسماه بـ (أنكو)، لأنه لو سماه بـ اللغة الماننكية لكان فيه التخصيص، ولخرج بذلك من ليس بماننكي، فهذا يُبين لنا عن الحكمة الكانطية فعلا.

فالقاطنون منهم بجمهورية مالي البلد الأم يسمون بـ: البمبارا والماننكا، وفي ليبيريا وغامبيا وسيراليون يسمون بـ: الماندنكو، وفي السنغال بـ: الماندنكو أو السوننكي، بينما في ساحل العاج فلهم مسميات مختلفة منها: الجولا، الموكا، وجنيكا، بيكا، كورو، كويا، بونجاليكا. وأما في غينيا فإن أساميهم تتعدد بتعدد مناطقهم فمن هذه الأسامي: طارونكا، الكورونكو، ليليه، وُلادلاكا، الكونياكا، سنكوفلا، كيروانكا، سماندوكا، كوروكا، طاما مانيان، بيكا.

فهذه هي القبائل التي يتشكل منها الماندن وتنقسم إلى فروع كثيرة، ويطلق عليها جميعا: الماندنكا أي أهل الماندن، والماندن اسم لمنطقة شاسعة تشمل المناطق التي كانت خاضعة لسيادة إمبراطورية مالي الإسلامية، ولهذه القبائل بالرغم من اختلاف أساميها ومواطنها عبر القارة، القواسم المشتركة في اللغة والعادة والتقاليد، مع العلم أنهم يتواصلون فيما بينهم بكل السهولة، وإنما يقع الاختلاف أحيانا في أسماء بعض الأشياء والكلمات. ومن أبرز ما يشتركون في استعماله أثناء الكلام هو لفظ: أنكو، ومعناه في العربية (أقول) ما جعل كانطي فضَل أن يسمي لغتهم بـ أنكو، وفي نظري لو أنه سماها بلغة الماندن لكانت التسمية صحيحة وجامعة أيضا، ولما جاء المستعمر فدأب على تسميتهم بـ الماندنغ حتى ترسخ عليهم ذلك في الكتب التاريخية.

حروف الهجائية التي اخترعها:

ومن المفيد هنا القول بأن هذه الحروف التي وضعها مفكرنا، لا تنبي على أية جهود سابقة، وإنما هي نتاج الابتكار الذي وهبه تعالى، وهذا ما عنّ لي إذ كنت أتصفح المصادر والمراجع التي عالجت حياة الرجل، فهو الواضع الأول الذي لم يسبق إلى هذا العمل المتضمن ستة وعشرون حرفا، وتضم الحركات والأصوات والمدود.

مرحلة ما بعد الاختراع

لم تتوقف الجهود الكانطية عند حد مجرد الاختراع والاستنامة على أمجاد ذلك، ولكنها تواصلت، ولكي يعرف الناس بقيمة ما توصل إليه من تلك النتيجة العلمية، كان لزاما عليه أن يقوم بالتوعية في محيطه توضيحا لهذه القيمة وبيانا لأهمية العمل حتى ينمو الوعي الشعبي بضرورة الاهتمام بهذه الخدمة الفكرية المقدرة التي تصلح لكتابة كل اللغات، المحلية منها والعالمية. وأول ما شرع فيه هو كتابة كتيبات كثيرة وتوزيعها على الناس مجانا في محاولة منه لتشجيعهم على تعلم لغة “أنكو”. ولقد نشر عددا هائلا من تلك الكتيبات التي حظيت بالقبول السريع لدى الناس لاسيما في ساحل العاج، وظل على تلك الحال حتى العام الذي نالت فيه بلاده استقلالها التام غير المشروط من فرنسا في 2\ اكتوبر\ 1958م.

وفي العام الذي تلاه أي 1959م، رجع إلى وطنه واستقر بعاصمة بلاد السفانا كانكان، وقضى بها خمس سنوات وهو يعلم الناس ويمارس إلى جانب ذلك التجارة التي ألفها في ساحل العاج، وداوم على ذلك إلى الوقت الذي صدر فيه القانون الإطاري الذي حظرت فيه السلطة الثورية الحاكمة آنذاك كل الممارسات التجارية بغينيا، مما سبب للتجار البسطاء مثل كانطي خسارة كبيرة في رءوس الأموال، فاضطر للعودة ثانية إلى العاصمة كوناكري، وهناك، كثف جهوده منتهزا الفرصة كلما سنحت له ويعرض مشروعه الطموح على السلطات لعله يجد لديها الاعتراف به أو على الأقل دعما ماديا يمكنه من تطويره، وظل يختلف إليها بلا جدوى، لقد قضى بكوناكرى هذه المرة قرابة ثلاثة عشر عاما وهو ضيف على أحد أفراد جالية قرية بَرَنَمَا (Branama) المقيم هناك، ويدعى: برنما سيكوبا (Branama Sekouba). ولما باءت هذه المساعي بالفشل، غادر كوناكري متوجها إلى كانكان ثانية وذلك في صيف عام:1977م، وقضى بها هذا العام كله عاكفا على تطوير عمله.

العرض على الرئيس سيكو توري:

ظل على تلك الحال في “كانكان” باحثا ومنقبا إلى أن بلغ صيته الحسن مسامع الرئيس أحمد سيكو توري-رحمه الله- الذي حسب بعض المعطيات طلب من المدعو محمود كانطي أحد المهتمين بدراسة أنكو أن يستدعي إليه كانطي سليمان وقد أخذته اللهفة الشديدة لمعرفة ما اخترعه والمتعلق بذلك الإنتاج الباهر، فاستجاب هذا الوسيط وأبلغ شيخه بطلب الرئيس، وما لبث أن جاء إلى كوناكري، وحين التقى به، قص عليه قصة الاختراع من البداية إلى النهاية، فسر فخامته بالمشروع إذ اعتبره عملا جديرا بالاهتمام. غير أن طموحه لم يتحقق في هذا اللقاء التاريخي الذي جمعه بالرئيس، لقد كان يأمل أن يتم اعتماد لغة أنكو إلى جانب اللغة الفرنسية ولكن فخامته اكتفى بتشجيعه معنويا على المضي قدما في مشروعه ناصحا إياه بعدم مغادرة الوطن بهذا المشروع الطموح إلى بلد آخر حتى لا يصير ضحية المآمرة، متنبئا بأن المشروع سيحظى على المدى البعيد بالقبول والاهتمام، مشبها إياه بالثمرة الناضجة التي تشرئب إليها الأعناق، مقدما لكانطي بتلك المناسبة ستين ألف السيفا(60) ليوفر به ما يحتاجه من أدوات الكتابة، مخبرا إياه بأنه رهن إشارته. لقد رفع هذا التشجيع من معنويات المفكر كانطي وجعله يضاعف الجهود، خرج من اللقاء وهو مفعم بالأمل. وظل بالعاصمة كوناكري وهو ينقب ويبحث، ويؤلف ويترجم.

ولكنّ هناك سؤالا مهما يفرض نفسه علي بإلحاح شديد إذ كنت أقرأ هذا النص المتعلق بموقف الرئيس، في الحقيقة أعتبره حسب تحليلي الخاص موقفا متناقضا، وبرهاني على ذلك أنه ظل طوال فترة حياته يردد في المحافل المحلية والدولية أن الأفارقة يجب عليهم الاعتزاز بكل ما هو إفريقي، وكان ينافح عن هذا التوجه باجتهادات شخصية، فلماذا إذن لم يتبن أنكو إلى جانب اللغة الفرنسية لغة وطنية مع أنه مشروع يمثل تلك الفلسفة الإفريقية التي يدعو إليها. ؟ فبدلا من تقديم ستين ألف السيفا لكانطي، كان من الأجدر به أن يعتمده على غرار ما فعلته بعض البلاد التي تبنت إحدى لهجاتها الوطنية إلى جانب اللغة الإدارية، ولا تنقصنا النماذج الحية لتلك الدول. وكان يتوفر على كل الآليات لتحقيق ذلك، ولقد تحمل يوم 2\ أكتوبر عام1958م مسئولية سياسية جريئة حينما وقف في وجه الجنرال شارل ديغول رئيس الجمهورية الفرنسية آنذاك قائلا له مقولة تاريخية أصبحت مثلا يرويه الغينيون: ((نحن نفضل العيش في الفقر على الغنى في العبودية))، فلماذا إذن لم يتحمل المسئولية ذاتها عند ما عرض عليه كانطي ما عرض.؟

فهل تخوف من أن يقال إنه قد آثر لهجته الأم على بقية اللهجات؟ وإذا سلمنا بهذه الفرضية جدلا، فأقول بأنه لو كان هناك أحد الغينيين من القبائل الأخرى استطاع أن يتوصل إلى ما توصل إليه كانطي لرحبنا بمشروعه بل ولدافعنا عن اعتماده كما ندافع الآن عن كانطي، فكل اللهجات الغينية متساوية في نظري ما دامت جمعيها تمثل الهوية الغينية التي هي القاسم المشترك بيننا، وللأسف الشديد فإن مشكلة الإقليمية قد جعلت العديد من غير الماندن لم يولوا الاهتمام اللائق لعمل كانطي، مع أن المسألة في عمقها حضارية وثقافية أكثر من أي شيء آخر، فلو نظروا إليها من هذا الجانب لأنصفوا الرجل. إذن فلو أن سيكو تبنى المشروع ما كان العقلاء سيعتبرون ذلك انتصارا للجنس والإقليم واللهجة، وإنما للحضارة الغينية. فهذه هي المسئولية التي وددت أن يتحملها في وقتها.

غير أن ما يجب أن يعلم في هذه القضية هو أن مسألة اعتماد لهجة أنكو إلى جانب اللغة الفرنسية بغينيا باتت وقتية فقط، لأنه قد أوجد لنفسه اليوم سواء داخل الجمهورية خصوصا وغرب إفريقيا بشكل عام موضع القدم، ولقد بات من أداة التواصل بين السواد الأعظم في المنطقة، وإذا كان مخترعه قد تحدى ذلك اللبناني مبرهنا له ولأمثاله ممن يشاطرونه الرأي، قدرة الإفريقي على الاختراع بتفنيد مزاعمه بذلك البرهان العقلي الناصع، فإن أنكو قد بدأ هو الآخر يتحدى الإقليميين الذين يحاولون أن يقللوا من شأنه، إذ صار يحظى بالاهتمام الكبير في العالم، وهذا ما تؤكده كل المؤشرات والدلائل في الوقت الراهن.

كتابة حياة كانطي ضرورة حضارية ومعرفية:

إن التاريخ الغيني حافل بأسماء شخصيات متعددة لمعت في مجالات مختلفة، ونجد منها نزرا يسيرا في كل منطقة من المناطق الطبيعية الأربعة، وإذا كانت غينيا قد عرفت عبر تاريخها ظهور وجوه مشرقة في الأدب والسياسة والنضال، والتصوف هلم جر، فإن مما لا شك فيه هو أن كرامو كانطي من أبرز من تفتقت عنه الأرض الغينية في المجال الفكري، وهذا الإنجاز التاريخي المقدر الذي قام به خير برهان ناصع على نبوغه فكريا. لهذا، فإن كتابة حياة شخصية في حجمه باتت في الوقت المعاصر من المطالب الحضارية، ونلمس عمق هذا الكلام في الإنتاجات العلمية التي خلفها، والتي تشكل مكونا حضاريا وثقافيا للشعب الغيني.

وأشير إلى أن لكل أمة حضارة وثقافة خاصة بها، وتختلف باختلاف الشعوب. فالحضارة الغربية ليست هي الحضارة العربية أو الهندية، أما إفريقيا فقد ذهب أشخاص غير موضوعيين إلى أن الأفارقة لم تكن لهم لا حضارة ولا ثقافة، فأتوا هم وحضروهم ثم ثقفوهم، كلام في منتهى الخرافية، لأنه كيف يكون من المنطق أن تكون هناك شعوب بلا حضارة.؟ وكنا سنتفق معهم لو أنهم قالوا مثلا إن الحضارة الإفريقية لم تتبلور إلا متأخرا، أما أن ننفيها عن أمة بأسرها ففي ذلك الحيدة عن الحقيقة، فحضارتنا في الحقيقة لم تكن إلا ضحية ظاهرة الاستعمار التي تعرضت لها إفريقيا في زمن من الأزمان، فجاء هذا المفكر وأثبت العكس جاعلا عمله شيئا مذكورا، من خلال هذا الإنتاج الذي سيظل في الأرض بحول الله تعالى مما ينفع الناس والتاريخ والثقافة((وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)) وإن هذا مما يجعل كتابة حياته ضرورة حضارية وثقافية ومعرفية في آن واحد، وبعد ما فرغ من تأصيل المشروع وترسيخه رحل إلى ربه يوم الاثنين الثالث والعشرين(23) من شهر نوفمبر عام:1987م على الساعة السابعة وخمسة وأربعين دقيقة صباحا بحي بونفين(Bonfin) في العاصمة كوناكري، مخلفا وراءه تركة فكرية مهمة ورثها عنه ليس آل بيته فحسب وإنما العالم عموما والأفارقة خصوصا، وجرت مراسيم جنازته بمسجد كولييا (Koléya) الكائن على الشارع الساحلي الشهير بـــ :النيزير -رحمة الله تعالى الواسعة عليه-

مؤلفاته:

ألف عددا من المؤلفات القيمة، وكذا قام بترجمة مئات الكتب المفيدة إلى “أنكو” في مجالات مختلفة، واليوم تقوم الأكاديمية العلمية التي أنشئت مؤخرا ولها تمثيليات في الأقاليم الغينية بمجهودات مقدرة تهدف إلى حل القضايا اللغوية التي تعتري “أنكو” وتعمل على إيجاد السهولة والمرونة في كثير من الجوانب. وهناك اليوم كتب إسلامية مفيدة ترجمت إليها.

العوامل التي ساعدت على نشر الأنكو:

إن تلك العوامل التي أسهمت بصورة أو بأخرى في نشر هذه اللغة في غينيا خصوصا وفي البلدان المجاورة عموما على نطاق أوسع، يمكن تقسيمها إلى العوامل الذاتية المتمثلة في الأفراد المتكلمين بهذه اللغة والذين يقومون بالجهود الفردية فيما يتعلق بنشرها. وأما الموضوعية فتتجسد في عدد من أسباب أوجزها في:

أولا: تنقلات التجار في غرب إفريقيا

ثانيا: المدارس الخاصة بأنكو عبر البلاد من تأسيس المهتمين بها.

ثالثا:المدارس التي قررت تدريس أنكو إلى جانب اللغة العربية ويمثلها هنا معهد سبيل النجاح في مدينة أنزريكوري بغينيا الغابية.

رابعا: برامج محو الأمية لفائدة متعلمي الأنكو والتي تنظمها الفعاليات الخاصة عبر جمهورية غينيا كوناكري.

خامسا: الجمعيات والهيئات العلمية والطلابية ومن أقدمها ” N’ko karan dee” أي: إتحاد أنكو للتعليم، و منها: ICRA-N’ko و ARAF في غينيا، و NCD N’ko في مالي، و KKT في كوت ديفوار، و AAC و KKN في نيجيريا، و هناك مدارس عديدة تابعة لهذه الجمعيات في مدن و قرى و وعواصم دول غرب إفريقيا.

سادسا: وجود فرع لهيئة تدريس “أنكو”، على أرض الكنانة بمصر والذي أنشئ منذ عام 1983م على أيدي نخبة من طلاب غرب إفريقيا الدارسين في جامعة الأزهر الشريف، وقد استطاعت هذه الاتحادات بتعاون بعضها مع بعض برمجة خطوط أنكو لمواكبة تطورات عصر كمبيوتر في التطبيقات و غيرها، ويوجد لها حاليا عدة مواقع على الشبكة المعلوماتية الدولية “الإنترنيت” منها: www.fakoli.net , www.kanjamadi.com , www.nkoinstitute.com ويمكن لمزيد من المعلومات المفصلة عن الأنكو الرجوع إلى المواقع المذكورة.

المصدر: قراءات إفريقية

آسيا

رحلتي إلى الله 💖 قصة حب للزوجين الكوريين المسلمين يعيشان بالمغرب

عائلة بوهيمية

Published

on

قصة حب للزوجين الكوريين المسلمين يعيشان بالمغرب

رحلتي إلى الله 💖 قصة حب للزوجين الكوريين المسلمين يعيشان بالمغرب

عائلة بوهيمية❣️

Continue Reading

إفريقيا

عاملة إغاثة إيطالية تعتنق الإسلام رغم خطفها من جماعة إسلامية متشددة، فكيف علق الإيطاليون؟

عاملة إغاثة إيطالية تعتنق الإسلام رغم خطفها من جماعة إسلامية متشددة
انتقادات من أحزاب اليمين في إيطاليا لعاملة إغاثة أعلنت اعتناقها الإسلام بعد الإفراج عنها من قبل حركة الشباب المتشددة

Published

on

عاملة إغاثة إيطالية تعتنق الإسلام رغم خطفها من جماعة إسلامية متشددة، فكيف علق الإيطاليون؟

عاملة إغاثة إيطالية تعتنق الإسلام رغم خطفها من جماعة إسلامية متشددة انتقادات من أحزاب اليمين في إيطاليا لعاملة إغاثة أعلنت اعتناقها الإسلام بعد الإفراج عنها من قبل حركة الشباب المتشددة

Continue Reading

إفريقيا

إثيوبيا : جماعة الأحباش

Published

on

بقلم الكاتب السوداني/ محمد خليفة صديق

مقدمة:

إثيوبيا دولة إفريقية تقع في القسم الأوسط الشرقي من القارة، وتبلغ مساحتها حوالى مليون و223 ألف كلم مربع، ويربو عدد سكانها على 83 مليون نسمة، ينتسبون لثلاثة أجناس رئيسة: عرب نسباً ولغةً هاجروا إليها بعد الفتوح الإسلامية، وجنس من نسل العرب الذين هاجروا إليها قبل الإسلام، بجانب العنصر الزنجي، فهي تمثل نقطة امتزاج العناصر السامية والحامية، وتشير بعض الدراسات الإنثربولوجية إلى أنه تعيش في إثيوبيا 85 قومية، وكل منها تتكلم لغتها الخاصة، وأغلب هذه القوميات تدين بالإسلام، وعلى سبيل المثال قومية سلطي، وهم مسلمون 100%، وقومية أورومو، أكثر القوميات من حيث عدد السكان ونسبة المسلمين منها 80% ، وقومية العفر وهم كذلك مسلمون 100% ، بجانب القوميات ذات الأصول الصومالية.

وإثيوبيا في حقيقتها بلاد إسلامية، تحكمها أقلية نصرانية، تشربت الحقد على المسلمين بفعل الصليبيين الأوربيين، وبحسب بعض الإحصائيات يمثل المسلمون 60% من السكان قبل إستقلال أرتريا، وطبقاً للتعداد الرسمي للدولة أخيرا في إثيوبيا تمثل نسبة السكان المسلمين 34% من إجمالي سكان البلاد، حيث يضع التعداد الأغلبية للنصارى من الطائفة المسيحية الأرثوذكسية، ويدحض مسلمو إثيوبيا المزاعم التي تقول إنهم أقلية، ويقولون إن أعدادهم لا تقل عن 50 بالمائة من المواطنين، والحكومة تتعمد التحريف في أعدادهم لكي تحافظ على توازن القوى لصالحها.

وقد أكدت بعض المصادر تزوير نتائج الإحصاء السكاني الأخير عام 2007م، من هيئة الإحصاء المركزية في إثيوبيا، حيث قدر نسبة المسلمين في إثيوبيا بنحو 33,9 %، وجعل إجمالي تعداد النصارى يُقدَّر بنحو 62,1 % من إجمالي عدد السكان، يمثل منها النصارى الأرثوذكس 43,5 %، والنصارى الكاثوليك 18,6 %. وهذا الإحصاء طالته انتقادات عديدة من أطراف كثيرة، تَذكر حدوث أخطاء في طريقة إجرائه، فضلاً عن تأثره بالانقسامات السياسية، والعِرقية، والدينية في هذا البلد. وقد تسرَّبت أخبار عن تأثير جمعية القديسين الأرثوذوكسية، وحصول تزوير في النتائج، قبل أن يتمَّ التصريح بها من قِبَل الحكومة.

ونشر في موقع “رسالة الإسلام” حينها انتقادُ المسلمين، وعدم رضاهم عن هذا التعداد، ووصفهم له بأنه غير دقيق، واعتباره تمهيدًا لإضعاف الإسلام، وإيقاف انتشاره في البلاد، وأكَّدوا أن تعداد المسلمين الحقيقي في هذا البلد يتراوح بين 45 و50 % من إجمالي عدد السكان على أقل تقديرٍ.

وقد رفَضت محطات الراديو الإسلامية التي تُبَثُّ من أوروبا، وهما: راديو النجاشي”، وراديو (الهجرة الأولى) “فرست هجرا”، مؤكدة أنه أسقط من حساباته ملايين المسلمين، ورغم الظلم البيِّن الذي طال المسلمين في هذا الإحصاء، ورفْع تَعداد النصارى، فإن النصارى البروتستانت لَم تُعجبهم أيضًا نتائج الإحصاء، وشكَّكوا في دقة أرقامه. ورفض بعض النصارى البروتستانت نتائج الإحصاء، زاعمين أن أرقام تعدادهم يجب أن تزيد عما جاء في الإحصاء بنحو 7 %؛ ليشكِّل عددهم نحو 25 % من تعداد السكان، وهذا يدل على التأثير الأرثوذكسي على النتيجة بشكل ظاهر؛ إذ لا يكاد يوجد في إقليم الجنوب من النصارى إلا البروتستانت. ومما يدل على عدم وجود الدقة – ومما لا شكَّ فيه – عدم وجود الكاثوليك في البلاد، إلا أفرادًا من بقايا الاستعمار الذي لم يكتب له النجاح.

وفي حقبة الاستعمار منحت بريطانيا منطقة الأوغادين الصومالية المسلمة لإثيوبيا عام 1899م، نظير مساهمة ملكها منليك في إخماد الثورة المهدية بالسودان، كما قدمت منطقة هود الصومالية هدية أخرى لإثيوبيا عام 1955م عدا أرتريا وغيرها من الأقاليم المسلمة، ومن أشهرها إقليم هرر، وفيه مدينة هرر عاصمة الإسلام ومدينة العلم والمساجد، التى أنشأها التجار المسلمون في القرن الأول الهجري، وقد خضعت لإثيوبيا عام 1896م. ومدينة هرر هي مسقط رأس عبد الله الحبشي مؤسس فرقة الأحباش التى نتحدث عنها في هذا المقال.

من هم الأحباش؟

الأحباش-إثيوبيا-لبنان

“الأحباش” هي فرقة باطنية تنسب إلى زعيمها عبد الله بن محمد العبدري الهرري الحبشي، ويُطلِق الأحباش على أنفسهم اسم جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية، ويقدّمون أنفسهم على أنهم من أهل السُنّة، إلا أنهم يخالفونهم في العديد من المسائل العقدية والفقهية.

يُعتبر عبدالله الهرري المولود عام 1910م في مدينة هرر الإثيوبية، هو المؤسس لحركة الأحباش، وقد درس أصول الفقه وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنوات، واستقر في مكة المكرمة لفترة زمنية قصيرة، وتعرّف هناك على عدد من العلماء، ثم ذهب إلى الشام ودرس في المسجد الأموي في دمشق علوم الحديث، وظهر نشاطه في سوريا عام 1950م، ثم انتقل إلى لبنان، وهناك وجد المأوى والنصير، واستغل ظروف الحرب الأهلية اللبنانية وتمكن من بثّ سمومه وكوّن أتباعه المنتشرين في العالم اليوم، حيث أسس جمعية عالمية هي جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية عام 1983م، ولهذه الجمعية أكثر من 33 فرعا في أنحاء العالم خارج لبنان، بجانب فروعها بالداخل، وتعتبر جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية هي واجهة نشاط الأحباش.

عبدالله الهرري

عبدالله الهرري

وبرز نشاط «الأحباش» في بيروت مع مطلع الثمانينات إثر تنافسهم مع الرجبيين، وهم أنصار الشيخ رجب ديب الذي تتلمذ على يد مفتي سورية السابق الشيخ أحمد كفتارو، حيث أسس الرجبيون جمعية الفتوة الإسلامية، وهي موجودة حتى اليوم ويرأسها الشيخ زياد الصاحب، غير أن الصراع بين الاحباش والرجبيين حُسم لمصلحة الأحباش التي تعزز موقعها لاحقاً مع تعزيز سورية لنفوذها العسكري والسياسي في لبنان.

وشارك الأحباش في الحياة السياسية اللبنانية، حيث فازوا بمقعد واحد في مجلس النواب لدورة 1992 (عبر عدنان طرابلسي)، وهي الانتخابات البرلمانية الأولى بعد انتهاء الحرب الأهلية، ولكنهم في دورة 1996 لم يفوزوا بأي مقعد نيابي، كما كان للأحباش دور في المجالس البلدية والاختيارية خصوصاً في مناطق وجود السنّة المنتشرة بين بيروت وطرابلس. كما أسست جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية مراكز صحية وإعلامية ودعوية وتربوية، مع العلم أن للأحباش حضوراً ليس في لبنان فقط بل في سائر بلاد الشام، وبدأ في الانتشار أخيرا في إثيوبيا. كما أن لهذه الفرقة أعضاء سياسيين وبجانب النواب في البرلمان اللبناني، لهم نواب في بعض الدول الغربية، ولها إذاعات ومحطات تلفزيونية، ودور نشر ومراكز أبحاث، ومن أشهر إصداراتهم مجلة (منار الهدى).

ومن المعتقدات الباطلة لهذه الفرقة أنها لا ترى وجوب الصلاة على مشايخها، وترى وجوب الزكاة في غير الذهب والفضة، وتؤمن بخلق القرآن الكريم، وتدعو إلى عبادة القبور وتقديس أضرحة الأولياء من المسلمين والنصارى، وعرفت هذه الجماعة بالدفاع الشديد عن الشرك حتى استحق مشايخها ودعاتها لقب (عبدة الموتى)، كما أنها تشجع السفور والتبرج للنساء، وتتطاول بالسب والشتم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلٌم وأمهات المؤمنين بصفة أخص.

ومن أقوال شيخهم عبد الله الحبشي إنه إذا كانت لك حاجة فعليك بالاستغاثة بعبد القادر الجيلاني فيخرج من قبره ويعطيك حاجتك ثم يعود إلى قبره. كما عرف الأحباش بتعطيل صفات الله تحت ذريعة ما يسمونه بتنزيه الله عما لا يليق به.

وعرفت هذه الفرقة بالغطرسة والوسوسة، والتنكيل والتهديد بالقتل، بل والمشاركة في القتل حيث اتهم بعض قادة هذه الجماعة بالتنسيق مع حزب الله وإيران في تفجير موكب واغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005م، حيث وردت أسماء بعض أعضائها في التقرير الأول للمحقق الدولي السابق ديتيلف ميليس، وكان بين هذه الأسماء أحمد عبد العال مسؤول العلاقات العامة والعسكرية والاستخباراتية في الجمعية ومحمود، شقيق أحمد، ثم مورست ضغوط معينة ضد بعض السياسيين في لبنان لإخراجهم من السجن فخرجوا بكفالة، حيث توجهوا أخيرا إلى أثيوبيا – أو أتِيَ بهم- ليمارسوا الدور نفسه مع حكومة أثيوبيا.

وقد تنبهت لخطر هذه الفرقة وضلالها هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية وعلماء الأزهر الشريف حيث أفتوا بأن هذه الجماعة ضالة مضلة لا صلة لها بالإسلام البتة، نظرا لمعتقداتها الباطلة. وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية فتوى بشأن (جماعة الأحباش) بعد تلقيها أسئلة واستفسارات حولها. وبعد تفصيل في عقائد هذه الجماعة، قررت اللجنة ما يلي:

1- أن جماعة الأحباش فرقة ضالة، خارجة عن جماعة المسلمين (أهل السنة والجماعة)، وأن الواجب عليهم الرجوع إلى الحق الذي كان عليه الصحابة والتابعون في جميع أبواب الدين والعمل والاعتقاد، وذلك خير لهم وأبقى.

2- لا يجوز الاعتماد على فتوى هذه الجماعة؛ لأنهم يستبيحون التدين بأقوال شاذة، بل ومخالفة لنصوص القرآن والسنة، ويعتمدون الأقوال البعيدة الفاسدة لبعض النصوص الشرعية، وكل ذلك يطرح الثقة بفتاويهم والاعتماد عليها من عموم المسلمين.

3- عدم الثقة بكلامهم على الأحاديث النبوية، سواء من جهة الأسانيد أو من جهة المعاني.

4- يجب على المسلمين في كل مكان الحذر والتحذير من هذه الجماعة الضالة، ومن الوقوع في حبائلها تحت أي اسم أو شعار، واحتساب النصح لأتباعه والمخدوعين بها، وبيان فساد أفكارهم وعقائدهم.

الأحباش في أثيوبيا:

CLV8iw7WcAAvWsA

 

بدأ مؤسس الأحباش نشاطا محدودا في أواخر الثلاثينات من القرن الميلادي الماضي في إقليم هرر بأثيوبيا (مسقط رأسه)، واشتهر بتحالفه مع النظام المسيحي الإمبراطوري الإثيوبي لهيلا سلاسي ضد المسلمين، وكان سببا لإغلاق عشرات المدارس الإسلامية، وقتْل عدد من العلماء وتهجير الكثير من رموز الدعوة الإسلامية في إثيوبيا إلى المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر فرارا بدينهم، وقد عرف الهرري في تلك الفترة (بالشيخ الفتّان).

أما الظهور الحديث للأحباش في إثيوبيا فكان قبل أربعة أعوام تقريبا، حيث تشير بعض التقارير إلى تنسيق الحكومة الإثيوبية الحاليَّة -بسُلطتها التنفيذية- مع “المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية”، الذي عُرِف بتعويق قضايا المسلمين، لا بتحقيقها ودعمها منذ أمد بعيد، وقد حصل هذا المجلس أخيرا بحسب بعض المصادر على مبلغ 15.5 مليون دولار أميركي مقابل تغاضيه عن إطلاق يد جماعة الأحباش في المسلمين في إثيوبيا، لفرض عقائدهم على المجتمع المسلم في البلاد؛ بحجة القضاء على “التطرف والإرهاب”، الذي يمثله أهل السنة كما يزعمون.

قسيس (الكابتن في البحرية الأمريكية) جون كاتلر، فرقة العمل المشتركة المختلطة – القرن الإفريقي (CJTF-HOA) لإدارة الشؤون الدينية بأفريقيا، الى جانب أحمد الدين عبد الله شيللو، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الإثيوبي، مع كتاب المزامير التوراتية بعد لقائهما 29 أبريل.

يشهد التاريخ المعاصر أنه لم يُعرَف لفرقة الأحباش نشاط دعوي في الساحة الإثيوبية، كهذا الذي يجري الآن، رغم أن المؤسس إثيوبي مولدًا؛ وذلك أنه في هذه المرة وجدت هذه الفرقة متمثلةً في واجهة الأحباش (جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية)، قبولاً رسميًّا لدى الحكومة الإثيوبية في حملة تعتبرها الحكومة خطوةً في محاربة خطر التطرف والإرهاب بزعمهم.

ويتهم مسلمو إثيوبيا الحكومة المركزية في العاصمة أديس أبابا بتشجيعها جماعة الأحباش وترويج أفكارها وسط مسلمي إثيوبيا، وأنها تحاول زرع الفتنة بين أبناء المسلمين لتحقيق أهداف سياسية، حتى أصبح مسلمو إثيوبيا بين أنياب ثلاثة هي: تدخل الحكومة في شؤونهم الدينية، وتعاونها مع جماعة الأحباش، ودفاع المجلس الأعلى الإسلامي الإثيوبي عنها ضد المسلمين، إلا أن الحكومة الإثيوبية تنفي تلك الاتهامات جملة وتفصيلا، ولكن يمكن القول إنه من المؤكد أن جماعة الأحباش تتلقى دﻋﻤًﺎ حكوميا، والدليل أنها تمكنت من السيطرة على المجلس الأعلى للمسلمين ومجلس القضاء الإسلامي.

وقد حاول المسلمون إخماد الأزمة قبل اشتعالها، فقرروا فتح حوار مباشر مع الحكومة لاحتواء الأزمة، إلا أن الحكومة رفضت استقبال ممثلي المسلمين وتجاهلتهم، مما جعل المظاهرات تندلع في أديس أبابا، وعدة مدن إثيوبية، بسبب تجاهل الحكومة لمطالب المسلمين ومواقفها التي لا يمكن وصفها إلاّ بالعدوانية، فيما تتهم الحكومة منظمي المظاهرات بالارتباط بتنظيم القاعدة، وتقول إن عناصر ملثمة توجد في صفوف المتظاهرين، وتحرّض على العنف، وتقول إنها عازمها على منع امتداد ما تصفه بـ “التشدد الإسلامي” من السودان والصومال المجاورتين، وتتهم المتظاهرين باستخدام الدين كغطاء سياسي للانقلاب على الحكومة وزعزعة استقرار وأمن البلد والسعي لإنشاء دولة إسلامية.

ويلخص بعض المراقبين العوامل التي أدت إلى توتر الأوضاع بين المسلمين والحكومة بتدخل السلطات في الشؤون الدينية للمسلمين، وارتفاع نسبة التعليم بين الشباب، واستخدامهم شبكات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى انتشار الفقر والبطالة والتهميش والتضييق على الحريات العامة، يرى آخرون أن الدافع الأول الذي يحرك المسلمين هو دفاعهم عن الإسلام، ضد الأحباش وضغوط الحكومة.

وتنفي الحكومة الإثيوبية علاقتها بجماعة الأحباش وترويج مبادئها، بينما يطالب المسلمين بوقف تدخل الحكومة في الشؤون الدينية للمسلمين، واختيار أعضاء المجلس الأعلى من المسلمين، وتخلي جماعة الأحباش عن أساليبها التي أثارت حفيظة المسلمين، وعدم تدخل الحكومة في شؤون مسجد أوليا بأديس أبابا.

كبير أساقفة كيب تاون ديزموند توتو في لقاء مع أحمدين عبد الله شيللو

كبير أساقفة كيب تاون ديزموند توتو في لقاء مع أحمدين عبد الله شيللو

ويعد مركز “أوليا” الذي هو أكبر مركز إسلامي، وهو مقرَّ هيئة الإغاثة الإسلامية التابعة لرابطة العالم الإسلامي، وهو أكبر إنجاز حقَّقه أبناء المملكة العربية السعودية هناك، وهو مجمع إسلامي بجميع مرافقه، ودور تعليمه، من الروضة إلى الكلية الجامعية. ولكن المجلس الأعلى سلّم هذا المجمع للأحباش ليكون مركزًا لنشر الضلال والانحراف، بعد أن كان رمزًا لدعوة التوحيد والسنة على مرِّ العقود الماضية.

وفتح الأحباش لهم فروعاً رسمية في كثير من الأقاليم في إثيوبيا، وحصلوا على الرخص الرسمية لمزاولة أعمالهم من الدولة، بل وتمكن الأحباش من اختراق المجلس الأعلى لمسلمي إثيوبيا، بل إن رئيس المجلس الشيخ أحمد ديني من أتباعهم المخلصين، فالفرقة تقوم بتنفيذ أنشطتها بغطاء المجلس الأعلى لمسلمي إثيوبيا بكل سهولة ويسر، وتتستر بنشر الدعوة الإسلامية باسم أهل السنة والجماعة فهي ظاهرا: صوفية قادرية طريقةً، أشعرية عقيدةً، شافعية مذهباً، مسايرةً لعوام المسلمين وخداعهم، غير أنها حقيقةً فرقة باطنية مندسّة في المسلمين.

ونظراً لقرب مقر أصل الفرقة (مدينة هرر) من منطقة أوغادين الإثيوبية ذات الأغلبية المسلمة، فإن الجماعات الصوفية في أوغادين لها علاقات قديمة مع أتباع الهرري زعيم الطائفة، ونظرا لاختراق الفرقة لقيادة المجلس الأعلى لمسلمي إثيوبيا على المستوى الفدرالي والولائي، تمكنت بواسطة المجلس من تحجيم أو منع أنشطة أهل السنة والجماعة بزعم محاربة ما يسمونه بالوهابية، وتمكنوا من إغلاق 14 مسجدا في مدينة جكجكا وحدها، قبل عدة أعوام، بأمر من الشيخ ندير بن سيد نور رئيس المجلس الأعلى فى أوغادين آنذاك، وهذا الشيخ هو رأس الحربة في محاربة الدعوة الإسلامية في ذلك الإقليم، وهو ابن لشيخ طريقة صوفية مازال الناس يطوفون حول ضريحه، وتم ترشيحه من قبل طائفته مندوبا لإقليم أوغادين لدى اللجنة العليا للفتاوى الإسلامية في إثيوبيا بأديس أبابا، بعد طرده من رئاسة مجلس الإقليم من قبل الحكومة المحلية بسبب القلاقل والفتن التي ثارت بسبب إغلاق المساجد.

مسالك الأحباش لنشر أفكارهم بإثيوبيا:

لبنان-أحباش-إثيوبيا

تتخذ هذه الفرقة غطاء لنشر مذهبها بأسلوبين خطيرين يظهر للمتأمل بأنه تم دراستهما بدقة متناهية من قبل جهة استخباراتية عليمة، فحين تتعامل مع الأنظمة والدول فهي تستخدم شرعية المجلس الأعلى لمسلمي إثيوبيا، وتوظف قياداته ورموزه لتنفيذ معتقداتها وأفكارها، وترفع شعار محاربة القاعدة والجماعات الإرهابية. وحين تواجه العامة والمسلمين العاديين فهي ترفع شعار نشر دعوة أهل السنة والجماعة (مذهب الأشاعرة) وحماية أولياء الله وعلماء الطرق الصوفية من الوهابية والفرق المبتدعة حسب زعمهم، ويقصدون بذلك كل ما له صلة بأهل السنة، كما أن لهذه الجماعة مراكزها الخاصة بها المرخصة من قبل الحكومة رسميا، والتي تقوم بدورها السرّي لنشر مبادئها الخاصة وبرامجها التنظيمية.

وقد ضاعف الأحباش في الآونة الأخيرة أنشطتهم في إثيوبيا بصورة معلنة، فقاموا بجمع قيادات مختارة من كل الأقاليم الإثيوبية وعقدوا لهم دورات تنظيمية وإدارية فصلية باسم (دورات دعوية) استمر بعضها أكثر من شهر، وزودوا المتدربين بكتب ومذكرات علمية أعدت في لبنان، وكان كل القائمين بالتدريس وتأهيل القيادات أساتذة من لبنان وقد وصل عددهم في بعض الدورات 44 أستاذا ومحاضرا، وتم تغطية كل تكاليف هذه الدورات من تذاكر وفنادق وتكاليف المعيشة من قبل مركز الأحباش في أديس أبابا، وكان من بين هؤلاء المتدربين 45 قياديا صوفيا من إقليم أوغادين، تم انتقاؤهم بدقة من الطرق الصوفية المختلفة، وذلك لضمان ولاء جميع الطرق والأشاعرة للأحباش، كما قام الأحباش بجمع 90 شخصية من قيادات القبائل من المحافظات ذات الكثافة الإسلامية في مركز الأحباش في مدينة هرر وتم تدريبهم وتأهيلهم فكريا وعقديا، ووزعت عليهم هدايا رمزية بالإضافة لتغطية كافة التكاليف المرتبطة بالدورة.

وكل هذه الأنشطة والتحركات التنظيمية تكشف بلا شك أن كل هذه المبالغ التي تدفع بسخاء لا تأتي بصورة بريئة أو عشوائية، كما يظهر بوضوح بأنها لا تمت بصلة بالأنشطة التقليدية المعروفة من قبل أهل الطرق، وقد وعد الأحباش في كل دوراتهم بأنهم سيقومون بفتح مدارس نظامية في طول البلاد وعرضها، وأنهم سيفرغون جميع الدعاة والمدرسين بمرتب قدره 250 دولارا لكل داعية محلي ليست لديه (شهادة جامعية)، وأما من لديه شهادة جامعية فسيتم تعيينه في مهمة إدارية أو تنظيمية وبمرتب مغر حسب وصفهم.

ومن الأنشطة الدعوية المعلنة للدورات، دورة هرر الأولى التي في مركز الأحباش في مدينة هرر برعاية المجلس الأعلى لمسلمي إثيوبيا، وحضرها جمع كبير من كل الولايات، وكان من بينهم 120 شيخا من الطرق الصوفية النشطة في إقليم أوغادين في إثيوبيا بقيادة الشيخ ندير سيد نور، بالإضافة إلى هيئة تدريس الدورة وهم أستاذة لبنانيون من جماعة الأحباش، وتم تدريس مواد مختارة في الدورة، منها: حكم الذكر مع ضرب الدفوف، وفضل التوسل بالأنبياء والصالحين، وجواز تعليق التميمة، وجواز الاستغاثة بالمخلوق، والبيان بأن القرآن الكريم مخلوق، وفضل الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وفضل زيارة القبور وشدّ الرحال إليها، وتم خلال هذه الدورة توزيع عدد من الكتب، منها كتاب عمدة الراغب، وكتاب فضائح الوهابية، وكتاب التعاون، وكتاب ضلالات ابن تيمية.

أما دورة أديس أبابا، فقد عقدت في مركز الأحباش في أديس أبابا، وحضرها 270 مندوبا من جميع الولايات الإثيوبية من بينهم 25 شيخا من إقليم أوغادين، وكان كل الأساتذة الستة من لبنان وقدموا للمتدربين أنشطة متنوعة من المحاضرات والمذكرات كما وزعوا كتبا منها: فضائح الوهابية، والهدي الواضح في عقيدة السلف الصالح، وضلالات ابن تيمية، وانتبه دينك في خطر، والحروريات الضالة على منهج ابن تيمية.

ثم عقد الاحباش مؤتمر هرر العام، بعد نجاح الدورات السابقة حيث خلا الجو لهم، وكان عقد هذا المؤتمر في مركزها في هرر، يشكل قفزة نوعية هي الأخطر من نوعها، فهذا المؤتمر دعي إليه أكثر من 2000 شخصية من كل الولايات الإثيوبية، وافتتحه وزير الشؤون الفدرالية الدكتور شفرو، ورئيس المجلس الأعلى لمسلمي إثيوبيا الشيخ أحمد ديني، وكان الدكتور سمير الرفاعي رئيس بعثة الأحباش من لبنان هو المسئول عن التحضير للمؤتمر، كما كان هو الشخصية الدينية والداعية الأهم للمؤتمر.

وقد أفتى الرفاعي علنا أمام الجميع في هذا المؤتمر، وبصورة لا حياء فيها بأنه لا تصح الصلاة خلف أئمة الحرمين الشريفين لأنهم ليسوا بمسلمين، وقد حضر المؤتمر جلّ رؤساء المجالس لدى الولايات من بينهم الصومالي شيخ جامح جوليد، ومندوب المجلس من الإقليم في أديس أبابا شيخ شريف عبد الله تمويني، وشيخ ندير وغيرهم من رؤساء المجلس لدى كل المحافظات، ومن بين الضيوف لهذا المؤتمر الملحق الثقافي للسفارة الإسرائيلية في أديس أبابا وجمع غفير من الشخصيات الدينية التقليدية من كل الولايات. وكل هذا يتم بدعم إعلامي ولوجستي ومالي سخي من فرقة الأحباش بلغت تكاليفه أكثر من 295 ألف دولار، وبغطاء رسمي من المجلس الأعلى لمسلمي إثيوبيا، ومن بين المحاور التى نوقشت في هذا المؤتمر الأخير في هرر: محاربة مبادئ التطرف الوهابي، وتكريس مبادئ الديمقراطية، وتقارب الأديان.

ورغم نجاح الأحباش في كسب تأييد الدولة لتوجهاتهم الموصوفة بالإسلام المعتدل، إلا أنهم ارتكبوا حماقات مكشوفة أظهرت لكثير من المسلمين نواياهم الخبيثة، ومن بين هذه التصرفات تكفيرهم لأئمة الحرمين، ودعوتهم لزيارة أضرحة القساوسة النصارى والمسلمين معا بدعوى أن الأولياء من الجانبين لا فرق بينهما، ومصادرة مراكز إسلامية كانت منارة للعلم والتعليم مثل المدرسة الأولية والكلية الأولية التابعتين لهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية بالمملكة العربية السعودية، بل يروي بعض من حضر دوراتهم أنهم لاحظوا وجود الصليب لدى بعض المحاضرين اللبنانيين مما يعني أن بعضهم على الأقل مستشرقون لا صلة لهم بالإسلام.

الأحباش والرافضة:

Hezbollah chief  Hassan Nasr and al-Ahbash leader Sheikh Hussam Qaraqira

زعيم “حزب الله” حسن نصر برفقة زعيم “الأحباش” حسام قراقيرة

 

قام الملحق الثقافي لدى السفارة الإيرانية في إثيوبيا أخيرا بافتتاح مركز ثقافي وأبرم اتفاقية تعاون مع المجلس الأعلى الإسلامي الإثيوبي، وبموجب هذه الاتفاقية يتلقى المجلس من السفارة الإيرانية سنويا دعما ماديا كبيرا، بجانب ما يقدمه حزب الله اللبناني وأغنياء الشيعة من دول الخليج.

كما تسعي إيران للحصول على ترخيص من قبل الحكومة الإثيوبية لافتتاح قسم للغة الفارسية بجامعة أديس أبابا، كبرى جامعات البلاد، وتقوم لأجل ذلك بمغريات متنوعة، في حين لا يجد أهل السنة في إثيوبيا مَن يغطي تكاليف القرطاسية التي لا تتجاوز 30000 دولار سنويا للقسم العربي لدى جامعتي أديس أبابا- كبرى الجامعات الإثيوبية التي تضم أكثر من 70 ألف طالب وطالبة، وجامعة جكجكا التي تضم 15 ألف طالب وطالبة- وهذا القسم العربي الذي افتتح بعد جهود مضنية من قبل أهل الخير أصبح من حيث الأهمية؛ القسم الثاني بعد القسم الإنجليزي متفوقا على كل الأقسام الأجنبية في فترة قياسية، ويواجه طلاب القسم صعوبة بالغة في الحصول على أجهزة الحاسوب والمكتبة العلمية، وكذلك وسائل المواصلات وخدمة الإنترنت، وتسعى السفارة الإيرانية لتبني القسم العربي نفسه حالياً بعد حالة الإهمال التى يعانيها.

ومن مظاهر علاقة الأحباش بالرافضة سبّهم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كما عرفوا باعتماد عبارات في العقيدة تبين أنها مأخوذة من كتب الشيعة الرافضة، وأهمها كتاب التوحيد لابن بابويه القمي الملقب بالصدوق.

ويرى بعض المراقبين أن هناك تنسيقا بين الرافضة في المنطقة عموما، حيث تزايد الوجود الرافضي في جمهورية الصومال المجاورة بعد المجاعة التى حدث خلال الأعوام الماضية في جنوبها، حيث تزايد التدخل الإيراني في العاصمة الصومالية، وقامت السفارة الإيرانية هناك بافتتاح مراكزها الثقافية والصحية والغذائية والتعليمية، مستفيدة من الحاجة والمأساة الإنسانية التي لا حدود لها، بسبب الفراغ الحكومي وانعدام الحسّ الشعبي بخطورة هذا التدخل الرافضي، ومعلوم أن المنطقة الصومالية (أوغادين) في إثيوبيا هي امتداد لشعب الجمهورية الصومالية المجاورة لها وتتأثر به ثقافيا نظرا لوحدة اللغة والدين والمذهب والنسب فهم شركاء في السراء والضراء.

خاتمة:

لا تزال فرقة الأحباش تصول وتجول في طول إثيوبيا وعرضها، وفي يدها زمام المجلس الأعلى لمسلمي إثيوبيا وهو المعترف به رسميا كممثل للشؤون الإسلامية على المستوى الفدرالي ويتحكم في كل الأمور بما يلزم كافة الولايات بالعمل تحت إدارته، رغم أن منطقة أوغادين قد طردت فرقة الأحباش ومجلسها من الولاية، مما جعل المجلس الأعلى يضايق المجلس المنتخب بمنطقة أوغادين وحرمه من مستحقاته المالية والإدارية والمنح الدراسية ونحوها مما أثر سلبا على عمله.

وقد لفت الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في بيان له قبل فترة لمحاولات الحكومة الإثيوبية لإحداث فتنة الأحباش التابعين للضال عبدالله الهرري، حيث تحاول أن تجعل الأحباش ذوي أغلبية في المجلس الأعلى للمسلمين وهذا ما يراه المسلمون تدخلاً صارخًا في الشؤون الدينية، وزرعًا للفتنة بينهم لتحقيق أهداف سياسية للحكومة ونتجت عنه موجة احتجاجات عارمة من المسلمين، منتقدا شنّ الحكومة لهجمة ضد الدعاة والشباب الملتزمين بتهمة “الإرهاب” والقاعدة، والزج بمئات منهم في السجون مع ممارسة التعذيب، وأُقحمت بعض مساجدهم وأغلقت معظم صحفهم ومجلاتهم”.

ودعا الاتحاد الحكومة الأثيوبية لرفع الظلم والحيف عن المسلمين، ومنح الحرية الدينية، وحق اختيار ممثليهم، وبتحقيق مساواتهم مع النصارى في الحقوق والواجبات، كما طالب الحكومة بالحوار مع ممثلي المسلمين من العلماء ورؤساء القبائل والمصلين للوصول إلى صيغة تعايش سلمي دائم يحمي الحقوق والحدود، محذرًا من أن المضي في سياسة العنف والبطش والسجن والاتهامات الباطلة لعموم المسلمين وإحداث الفتنة بينهم قد ثبت فشلها في العالم أجمع.

كما أبدى الاتحاد استعداده للقيام بزيارة إثيوبيا من خلال وفد رفيع المستوى برئاسة أمينه العام للاطلاع على أوضاع المسلمين على كثب، والحوار مع الحكومة ومع العلماء فيها لتحقيق الأمن والاستقرار والتعايش السلمي القائم على العدل والمساواة.

ويحتاج أهل السنة في إثيوبيا لإنشاء مراكز دعوية في البلاد لتتصدى لخطر الأحباش، وتفريغ دعاة من أبناء إثيوبيا بالجامعات الإسلامية في العالم ليقوموا بدورهم الدعوي هناك، والتصدى لشبهات الأحباش، بجانب إنشاء دور للنشر والتوزيع لطباعة المناهج والكتب العلمية لمواجهة منشورات وكتب الفرق الضالة.

كما يحتاج المسلمون إلى إنشاء معاهد وكليات إسلامية وتربوية ومدارس (على الأقل مدرسة واحدة) في كل محافظة من محافظات البلاد في المرحلة الأولى لاستيعاب طلاب كل المراحل التعليمية الضرورية قبل أن تنتشر المدارس التي وعدت فرقة الأحباش بافتتاحها، مع تأمين منح دراسية جامعية لخريجي الثانويات والجامعات الإثيوبية لتسليحهم بالعلم النافع وتحصينهم فكريا وعقديا، وإنشاء وتأسيس أوقاف إسلامية اقتصادية إستراتيجية ذات مردود مالي لتغطية احتياجات الدعوة سيما في أديس أبابا وغيرها من المناطق.

كما يعاني المسلمون في إثيوبيا من الربط الدائم بين المسلمين والإرهاب في وسائل الإعلام الحكومية في البلاد فهناك حملات إعلامية مكثفة حيث تعرض الحكومة أفلاما وثائقية مزورة وقائمة على البتر والتلفيق تصوّر أن “الوهابية” يخططون لإبادة غير المسلمين، وأنهم متطرفون بجميع مراكزهم ومؤسساتهم سوى مؤسسات الأحباش التي ترعاها الحكومة، وتسخّر لها كل ما تحتاج إليه من الوسائل والدعم المالي، ويأتون بوثائق مصورة لاعتداءات حصلت قبل سنين عديدة بالقتل وإحراق بعض الكنائس من قِبل البعض.

ومع كل يوم جديد نسمع أخبارًا سيئةً عن سيطرة الأحباش على مساجد أهل السنة، وعلى مؤسساتهم، أو إغلاق المساجد التي رفض أهلها تسليمها للأحباش، واعتقال بعض الدعاة والمسؤولين، وتهديدهم، وإغلاق المدارس والمؤسسات، لا سيما في المدن خارج العاصمة أديس أبابا.

مراجع:

0- موقع الراصد

1-  جميل عبد الله المصري، حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة، (الرياض: مكتبة العبيكان، 2001م).

2-  إبراهيم كنتاو، إثيوبيا بين مطرقة فرقة الأحباش وسندان التشييع، تقرير موجود على موقع المسلم.

3-  مسلمو إثيوبيا والحكومة يتبادلون الاتهامات، تقرير على موقع الجزيرة نت، على الرابط:www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2012/7/26

4-  أبو سالم عبدالله بن يوسف الإثيوبي، تقرير عن أهل السنة في أثيوبيا، منشور على موقع شبكة الألوكة.

5-   مقابلات مع طلاب مسلمين من جمهورية إثيوبيا بجامعة إفريقيا العالمية بالخرطوم.

Continue Reading

إفريقيا

أفريقيا الوسطى: تقرير جديد للأمنستي يكشف مسلمين مهجرين بين ظلام التنصير و شبح القتل

Published

on

بانجي – أفريقيا الوسطى | أحوال المسلمين

على إثر مجازر أنتي بالاكا المتكررة و التغطية التي يتمتعون بها من قبل القوات الأفريقية و الفرنسية، اضطر الكثير من المسلمين والمسلمات الى الفرار من شمال بانغي، قاصدين مخيمات اللجوء التي تفتقر الى أقصى معايير الرعاية و الإنسانية، بالإضافة الى الاستغلال عبر اغتصاب المسلمات مقابل تقديم الطعام و الماء، أما بالنسبة للبعض الآخر فارتأى البقاء في أفريقيا الوسطى متمسكا بالأرض محافظا للعرض و مدافعا للبقاء على قيد الحياة هو و أحبائه و أقرانه.

أما عن الذين عادوا الى بيوتهم لعدة أسباب من بينها العذاب الذي لقوه في التهجير و التغريب و أيضا “الاستقرار الوهمي” الذي ادعته الحكومة الجديدة، فقد تطرقت لهم منظمة العفو الدولية بعنوان عريض يتحدث عن “إجبار العديد من المسلمين على التخلي عن دينهم” في تقرير لها نشرته يوم الجمعة الموافق لـ 31 يوليو 2015.

و يكشف هذا التقرير تحت عنوان “إلغاء الهوية الدينية” أن مليشيات الـ”انتي بالاكا” المسلحة تقوم في عدة أماكن شمال جمهورية افريقيا الوسطى بمنع المسلمين الذين عادوا الى ديارهم بعد موجة القتل والتهجير التي واجهوها سنة 2014 من ممارسة دينهم او المطالبة بحقهم في ذلك علنا، بالاضافة إلى أن العديد منهم قد هُدّد بالموت إن لم يعتنق النصرانية.

وقالت جوان مارينر، كبيرة مستشاري الأزمات لدى منظمة العفو الدولية والمتواجدة حالياً في جمهورية إفريقيا الوسطى “بعد أن أجبرت عشرات الآلاف من المسلمين على الفرار من شمال جمهورية افريقيا الوسطى، هاهي مليشيات انتي بالاكا تحاسب الان على الهوية الدينية لمئات المسلمين المتبقين أو العائدين”.

و قد تطرق التقرير لعدة محاور من بينها :

التحول القسري للمسيحية

يذكر التقرير أن مسلمي خمس قرى و مدن على الأقل تتواجد غرب أفريقيا الوسطى قد تنصروا تحت تهديد القتل، أو تحت أي إكراه آخر؛ و يضيف التقرير أنه بالرغم من عدد المسلمين في تلك المناطق ضئيل الا أن المشكلة خطيرة للغاية؛ إنه مؤشر على تعصب شنيع وغير مبرر ضد ممارسة الشعائر الدينية الإسلامية.

و تناول التقرير شهادات لمسلمين مخفين دينهم و آخرين تنصروا، و من الذين تنصروا فسّر أحدهم وهو شاب في الثالثة والعشرين من عمره من سكان محافظة سانغا-مبايري ما حصل معه لمنظمة العفو الدولية قائلا:” لم يكم لدينا خيار سوى الانضمام الى الكنيسة الكاثوليكيةو فقد أقسم مقاتلوا الانتي بالاكا بقتلنا اذا لم نفعل ذلك “.

و ذكر شاب آخر “في الأماكن التي ينعدم فيها تواجد قوات حفظ السلام المكلفة من الأمم المتحدة، يُستهدف المسلمون بكل وضوح ودون أي خوف من العقاب، فالكثير منهم أجبروا على التنصّر بينما منع الآخرون من اظهار هويتهم الاسلامية”.

و في هذا الصدد “يجب مضاعفة الجهود لحماية المسلمين المهددين في غرب جمهورية وسط افريقيا” قالت جوان مارينر.

منع المساجد والممارسات الدينية

اكتشفت منظمة العفو الدولية أن المسلمين المتواجدين في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة لا يتمتعون بحرية ممارسة شعائرهم الدينية في العلن، فقد تم منع الصلوات واللباس الاسلامي، بالاضافة الى ان المساجد المهدمة والتي يبلغ عددها حوالي الـ400 تم دميرها، و لا يُسمح باعادة بنائها فقط في بانغي أما في كارنوت فقد تم اعادة بناء بعض المساجد.

في نفس المنوال نشير الى شهادة تاجر مسلم من مبايكي قوله :”صلواتنا أصبحت ممنوعة وغير قانونية، يجب أن نختبيء لنصلي خلسة وبسرعة، أما صلاة الجمعة التي تقام جماعة فهي مستحيلة”

آفاق العودة

دعت منظمة العفو الدولية والبعثة متعددة الأبعاد التابعة للأمم المتحدة سلطات افريقيا الوسطى الى ارساء أعمدة استقرار الجمهورية، كما دعت المجتمع الدولي الى مساندة أكبر لجهود المسلمين الرامية الى اعادة الاندماج في مدن وقرى غرب البلاد، وتعزيز تواجد قوات حفظ السلام بهدف حماية المواطنين من مليشيات أنتي بالاكا.

في نفس الصدد يصرح أحد المسؤولين المسلمين قوله “من بين عشرات الآلاف من المسلمين الذين تم تهجيرهم من البلاد سنة 2014، يود الكثير منهم العودة الى بلادهم في يوم ما، لكنهم ينتظرون أن يفعلوا ذلك بأمان وبشكل دائم، مصير هؤلاء المسلمين الذي يسعون الى العودة الى مدنهم وقراهم في غرب الجمهورية يكاد يكون مقررا، يجب أن تتوفر لهم الحماية وحرية الدين وباقي حقوقهم”.

المزيد من المعلومات

في ماي 2015، قام مبعوثون من منظمة العفو الدولية بزيارة ل 12 مدينة وقرية من غرب جمهورية افريقيا الوسطى حيث لا يتمتع المسلمون بحماية كافية من قبل القوات التابعة للأمم المتحدة، مقارنة ببعض المدن الاخرى حيث يقيم المسلمون في اماكن محمية.

يستند هذا التقرير الذي تم نشره بتاريخ 31 يولوعلى مقابلات وشهادات لاكثر من 85 شخص أغلبهم من المسلمين المقيمين في تلك المناطق، إضافة الى المعلومات التي تم تجميعها خلال بعثات البحوث الميدانية لسنة 2014.

يذكر أن أكثر من 30000 مسلم تجمعوا  في بعض الأحياء المحمية من قبل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة داخل افريقيا الوسطى، والتي يطلق عليها اسم “المقاطعات” بينما لايزال عشرات الالاف الآخرين فارّين الى بلدان مجاورة، و آخرون يقيمون داخل مناطق سيطر عليها  متمردو سيليكا في الشمال الشرقي.

Continue Reading

إفريقيا

مصر : الشيخ الذي أثرى الإسلام في جنوب أفريقيا .. عبدالسلام بسيوني

Published

on

القاهرة – مصر | أحوال المسلمين

الشيخ عبدالسلام بسيوني مدير مركز التوحيد الإسلامي ورئيس المركز التأسيسي لجاليات الدول العربية والمحاضر بجامعة جوهانسبرج في جنوب أفريقيا، بفضل الدعوة التي يقوم بها المركز الذي يديره أسلم أكثر من 100.000 شخص في جنوب أفريقيا، اعتقل في أوائل دجنبر من العام الماضي جراء عودته مصر رفقة عائلته لتزويج إبنته، شيخ أفنى عمره لتبليغ رسالة الإسلام بجميع اللغات.

نشأته

ولد الشيخ الدكتور عبد السلام جاد بسيوني في سنة 1950 بالقاهرة- مصر، تتلميذ على يد الشيخ محمد الأمين المختار الشنقيطي المفسر المعروف، و كان يُدَرس مذكرة أصول الفقه و كتاب البرهان للجويني في 1977-1978، تخرج من جامعة الأزهر ثم حصل على الدكتوراه في اللغة العربية و الدعوة بمكة المكرمة بدرجة متميزة.

عمله

1

خلال دراسته في السعودية التحق الشيخ بسيوني للعمل برابطة العالم الإسلامي، و بعد مدة تم إرساله مبعوثا في 1990 للدعوة في القارة الأفريقية بداية من دول غرب أفريقيا خاصة سيراليون وليبيريا وغينيا كونكري، استقر الشيخ في مدينة جوهانسبرج، وتحديدا في منطقة لينيشيا والتي تقطنها اغلبية مسلمة من ذوي الاصول الهندية، و خلال مكوثه هناك لاحظ قلة الاهتمام بالجانب الدعوي في هذا البلد خاصة دعوة غير المسلمين فلم يكن هناك اطار منظم للدعوة عبر مراكز تعني بهذا الامر وتهتم لشئونه، فبادر ان يطرق بابا لم يكن مطروقا من المسلمين في هذا البلد وهو الذهاب لقري الافارقة سكان البلد الاصليين ودعوتهم للاسلام، وقد يسر الله له ان اهتدي بعضهم للاسلام، واحب في نفس الوقت ان يعلمهم الدين حتى لا يرتدوا بعد اذا لم يجدوا عونا وتعليما كما يحدث في كثير من الحالات، حيث ان “الاهتمام بالمسلم الجديد ينبغي ان يكون تقريبا نصف عمل الداعية” كما أكد في احدى مقابلاته.

واستطاع بعد عمله في جنوب أفريقيا الحصول علي الماجستير من جامعة راو عام 1994، ثم الدكتوراه من يونسة وهي أكبر جامعة بجنوب أفريقيا.
و حاليا يدير بعثة أزهرية مكونة من 65 عضواً منهم خمسة في المؤسسة التي يتولى رئاستها وكذلك لديه ستة معاهد أزهرية تدرس مناهج الأزهر تهتم بتعليم اللغة العربية والتعليم الديني ونعمل علي توثيق علاقتنا ومنها إنشاء كلية للقرآن الكريم علي غرار كلية القرآن بطنطا.

 

الدعوة بين الآمال و التحديات

11391152_830299950379744_5313976347625524469_n

 

و من بين المشاكل التي واجهها الشيخ خلال بداية دعوته هي المكان أين اعلم من يدخل في الاسلام في قري لا يوجد بها مساجد، حيث كانت تنتشر المساجد فقط في اماكن تجمع المسلمين، ولقد هداني الله ان اعلم من اسلم معي تحت ظل شجرة في احدي بلدات جوهانسبرغ.

و يذكر أنه ضمن بعثة الشيخ بسيوني أسس جمعيات ومراكز إسلامية فيها، ومنها اتحاد الدعاة بسيراليون الذي يشبه وزارة الأوقاف في مصر، حيث يضم جميع الدعاة والعاملين بالحقل الإسلامي، وللعلم أن عدد سكان سيراليون يبلغ ستة ملايين نسمة 85% منهم مسلمون.

مركز التوحيد الإسلامي

10421291_1427525507551302_3030751452978583689_n

بعد قليل من الدعوة و المثابرة يسر الله للشيخ ان مر احد المسلمين التجار من اهل البلد و رأي عمله فتبرع بمكان لاعلم المسلمين فيه، ومن هنا تم انشاء مركز التوحيد الاسلامي بجوهانسبرغ لنشر الدعوة وتعليم المسلمين، وبعد حوالي23 عاما من انشاء هذا المركز بفضل الله سبحانه ثم بجهود المخلصين وتبرعات التجار المسلمين توسع المركز حتي صار اليوم اكبر مركز اسلامي في جنوب افريقيا، وله اربعة عشر فرعا في محافظات جنوب افريقيا المختلفة.

يهتم المركز ليس فقط بدعوة غير المسلمين للاسلام وانما تعليمهم الدين مجانا عبر عشرات المدرسين الذين دخل معظمهم في الاسلام من خلال المركز وتعلموا الدين ثم صاروا الان دعاة به بلغات بلدهم جنوب افريقيا.

النهضة بالمسلمين في جنوب إفريقيا

11295862_830299943713078_1625774351145181483_n

 

باعتبار أن العمل الدعوي لا يقتصر فقط علي ادخال الناس في الاسلام فقط وانما تعليمهم والعناية بهم ــ وكان هذا هو شغل الشيخ بسيوني الشاغل منذ قدم هذه البلاد واسس مركز التوحيد الاسلامي، فقد استطاع الشيخ انشاء الجامعة التقنية منذ سنوات قليلة والتي تعني بتعليم المسلمين الجدد اي صنعة يحبونها سواء كانت ( نجارة حدادة كهرباء ميكانيكا.. ألخ) وذلك حتي يتخرج المسلم الجديد ومعه صنعة يستطيع منها ان يتكسب فلا يكون عالة علي غيره.

بعد تزايد تعداد العرب في جنوب افريقيا، استطاع الشيخ بسيوني أن يؤسس اتحاد الجاليات العربية في السنوات القليلة الماضية ، وتم اختياره كأول رئيس للاتحاد الذي يهدف الي الاهتمام بالجاليات العربية وشئونهم.

 

الدعوة وكأس العالم
لم يترك الشيخ بسيوني هذه الدورة العالمية تفلت منه دون ترك أثر الدعوة فيها، حيث قامت مجموعته بطباعة كتب تعريفية بالإسلام بمختلف اللغات وتوزيعها علي الجماهير الوافدين من مختلف دول العالم، و علل ذلك كونه يعلم أن غالبيتهم يتوفرون على رؤية خاطئة عن الإسلام لكونهم استمدوها عن طريق كتابات المستشرقين المعادين للإسلام أو لديهم جهل تام بالإسلام، لهذا وجد أن من واجبه تعريفهم بالإسلام ببساطة ويسر باعتباره ديناً عالمياً.
وكان لهذا مردود إيجابي عليهم، إذا أشارت تقارير و احصائيات عن ارتفاع ملحوظ لاعلان الاسلام في تلك الفترة بالبلاد.

الدعوة في القرى

CCpznXpUIAAEN_b
ذكر الشيخ بسيوني أن الإسلام بفضل الله هو الأكثر انتشاراً في البلاد على اثر الدعوة التي يقومون بها، خاصة بين القبائل الوثنية الذين يعملون علي تعريفهم بالإسلام من خلال العمل الدعوي وإصدار كتب بلغاتهم المحلية حتي يستطيعوا إقناعهم، وقد ناضلت مركز الشيخ بسيوني من أجل الحرية الدينية التي يعيش فيها المسلمون، و سعت لانشاء علاقات طيبة جداً مع كل أبناء الدولة، خاصة أن المسلمين كان لهم دور رئيسي في مسيرة التحرير التي استطاعت قهر العنصرية عام 1994.
يذكر أنه بفضل وجود قادة الكفاح المسلمين رفقاء لمانديلا في الاعتقال، استطاع بعض المسلمين الآن الوصول إلي مناصب وزارية وأعضاء المجالس النيابية.

تيسير الزواج
يعمل مركز الشيخ بسيوني باستمرار علي ترسيخ الوجود الإسلامي وتقوية الهوية الإسلامية في نفوس المسلمين، حيث يشجع المسلمين علي الارتباط بالمسلمات، ويتم عقد الزواج في المساجد وأقامة الإحتفالات لذلك في دور المناسبات الملحقة بها.
واستطاع المركز نشر الوعي الديني بأهمية تيسير الزواج وتقليل المهر إلي أقل درجة ممكنة بما يعادل عدة مئات من الجنيهات المصرية.

انجازات ضخمة للنهضة بالإسلام

2013-635014019855203338-520
ساهم مركز الشيخ بسيوني بمشاركة مراكز إسلامية أخرى في إنشاء جمعيات للعلماء تعني بشئون المسلمين، واتحاد عام لمسلمي الجنوب الافريقي, الذي يندرج تحته هيئات للزكاة وهيئات للفتوى والدعوة، وهيئات للطعام الحلال والحج والعمرة واستطلاع الهلال.
و عمل مركز التوحيد الإسلامي بشراكة جمعيات على إنشاء حوالي 5 \ إذاعات إسلامية، ومحطة تلفاز “قناة الإسلام:، وعدد كبير جداً مِن دور تحفيظ القرآن الذي يحتل مكانةً كبيرة لدى المسلمين، حيث يستقبل عدد كبيرا من الحفاظ.

كما عمل المركز و رئيسه على بناء عدد كبير من المساجد التي تصل لأكثر من 2000 مسجد, وانك لتصيبك الدهشة حين تأتي لجنوب إفريقيا فترى المساجد الفخمة والشاهقة واقفة بين البنايات يتعالى منها صوت الأذان عبر مكبرات الصوت خارقاً هدوء المكان خمس مرات في اليوم.

كما ساهم المركز أيضا في إنشاء اكثر من مائة مدرسة إسلامية معترَفٌ بها من الحكومة تعنى بتعليم المسلمين العلوم الدينية والعصرية ويتخرج منها الطالب ليلتحق بالجامعات الجنوب أفريقية، هذا بالإضافة إلى انشاء دور العلوم الإسلامية التي هي بمثابة معاهد إسلامية على نسق الازهر الشريف في مصر أو الأربطة التعليمية في حضرموت تكون فيها الدراسة مركزة في علوم الدين.

مأثوراته

1. Needs of the Wise for Guidance of Teachers (الحاجة للحكمة لإرشاد المعلمين)
2. Propogation of Islam during the Earlier and Present Periods – West Africa (نشر الإسلام خلال الفترات السابقة والحالية – غرب أفريقيا)
3. Propogation of Islam during the Earlier and Present Periods – South Africa (نشر الإسلام خلال الفترات السابقة والحالية – جنوب أفريقيا)
4. Learn the language of Quraan and Islam (تعلم لغة القرآن والإسلام )
5. Arabic for Non-Arabic Speakers (2 parts) (العربية لغير الناطقين باللغة العربية (2 أجزاء))
6. Various other concise booklets primarily in Arabic (مختلف كتيبات موجزة أخرى في المقام الأول باللغة العربية)

تضامن

أدانت عدة منظمات دولية و محلية، جمعوية و حقوقية اعتقال الشيخ الدكتور عبد السلام بسيوني و طالبت السلطات المصرية الى اطلاق سراحه فورا، و قد انتشر على وسائل التواصل الاجتماعية هاشتاج   من أجل ذلك الطلب و تعريفا بسيرة الشيخ و مسير دعوته، في حين صرحت السلطات أنها ألقت عليه القبض بتهمة “الإنتماء الى الإخوان المسلمين” بالرغم من أنه لم يصدر من الجماعة أو من الشيخ تأكيد حول هذا الإدعاء.

يذكر أن الشيخ الدكتور عبد السلام بسيوني قضى أكثر من خمسة أشهر في سجن الطرة، مع عدم السماح لعائلته بزيارته و تفقده.

صور 

 

Continue Reading
Advertisement
MEDIUM RECTANGLE