Connect with us

Published

on

سلهت – بنغلاديش | أحوال المسلمين
بقلم/ أبوالحسين آل غازي

تزعم الهند أن لها حق التدخل في شؤون بنغلاديش الداخلية ، لأنها “ساعدت” بنغلاديش في التحرر من الحكم الباكستاني عام 1971م -كما تدعي-، وتعتقد أنه لولا قيامها بجانب البنغال المناضلين لما استطاعوا التحرر من الحكم الباكستاني أبدا.

والحق أن لهذه المساعدة قصة أخري ، وهي إضعاف قوة منافسها الرئيس وعدوها العتيد دولة باكستان الإسلامية ، وكان سبب العداوة بينها وبين الهند هو كشمير المسلمة ، حيث منعها المستعمرون الإنجليز عام 1947م في دخول الاستفتاء الشعبي الذي أعطى المناطق الإسلامية حق الانضمام إلي أية من الهند وباكستان ، فاختار جميع المناطق ذات الغالبية الإسلامية الانضمام إلي باكستان ما فيها دولة بنغلاديش الحالية. وكان حاكم كشمير حينئذ رجلا كافرا ، فقررت الانضمام إلي الهند ما أثار غضب باكستان مما أدي إلي غزو باكستان لكشمير لتحريرها من الهند عام 1948م ، فحررت جزءا كبيرا منها ا يعرف حاليا بـ “آزاد كشمير” ، والجزء الأكبر بقيت تحت احتلال الهند حتى اليوم.

كان كثير من زعماء حزب “الرابطة العوامية” التواقين إلى الرئاسة يرون الحل لمطامعهم في استقلال بنغلاديش (باكستان الشرقية حينئذ) عن باكستان الغربية. فاستغلت الهند هذه الرؤية وشجعت وساندت هؤلاء الزعماء في الأعمال المؤدية إلي الاضطراب في البلاد، فبعد 24 عاما من الاستقلال تحولت الاحتجاجات إلي حرب دامية بين “الرابطة العوامية” والحكومة الباكستانية في مارس عام 1971م ، ووفَّرت الهند جميع التسهيلات المادية والمعنوية للرابطة العوامية لإمرار هذه الحرب ، إلى أن اضطرت الجيوش الباكستانية للاستسلام أمام الجيوش الهندية المشاركة في هذه الحرب في شهر ديسمبر من نفس العام ، وأخذت الجيوش الهندية الغنائم العسكرية التي خلفها الجيش الباكستاني. وبعد اتفاقية في عام 1972م أطلق سراح جميع الجيوش الباكستانية من قبل حكومة بنغلاديش ، وقبل ذلك أطلقت الحكومة الباكستانية سراح رئيس الرابطة العوامية الشيخ مجيب الرحمن الذي كان محتجزا طوال أيام الحرب في سجن باكستان الغربية.

في بداية عام 1972م شكلت الرابطة العوامية حكومة بنغلاديش الأولي برئاسة الشيخ مجيب وبمشاركة بعض الشيوعيين المتعاونين معه ، وكتبت الدستور الأول للدولة وفرضت علي البلاد علمانية أشد من علمانية الهند وحظرت السياسة الدينية ، وشاع الفساد في البلاد وابتليت البلاد بمجاعة كبري عام 1974م ، وفي عام 1975م توجه الشيخ مجيب إلي تعزيز دعائم حكمه بفرض حكم الحزب الواحد علي البلاد ما أثار غضب القوميين واليساريين والإسلاميين معا ، وهذا التوجه الخطير أسقط شعبية الشيخ مجيب وهيَّأ الفرصة للانقلاب عليه ، فقد قتل مع جميع أفراد أسرته المتواجدين في مسكنه ليلة 15 أغسطس من 1975م بأيدي رجال من ضباط الجيش الغيورين علي البلاد ، وقد نجت من هذا الاغتيال بنتا الشيخ مجيب حسينة وريحانة لإقامتهما حينئذ خارج البلاد.

وفي أعقاب هذا الانقلاب جاء إلي السلطة الفريق ضياء الرحمن بتأييد من الجيش والجماهير ، وكان رجلا غيورا علي البلاد ونظيفا من الفساد وذا توجه إسلامي يكره العلمانية المتشددة والهيمنة الهندية التي فرضت علي البلاد من قبل حزب الشيخ مجيب ، فغيَّر الدستور وأضاف فيه كلمات إسلامية ورفع الحظر عن السياسة الدينية وسمح بالتعدد الحزبي والمعارضة ، إلا أنه قتل هذا الرئيس الشعبي عام 1981م في ظروف غامضة . بعده جاء إلي السلطة الفريق حسين محمد إرشاد ذو نفس التوجه ، إلا أنه كان متساهلا مع الفساد ، وبعد احتجاجات متواصلة من الأحزاب السياسية ذات التوجه المختلف اضطر فريق إرشاد إلي الاستقالة من الرئاسة في نهاية عام 1990م ، واعتقل بتهم الفساد.

وفي الانتخاب العام الذي عقد تحت إشراف الحكومة المؤقتة في بداية عام 1991م تصدر حزب الرئيس الراحل ضياء الرحمن “الحزب القومي البنغلاديشي” بحوالي نصف المقاعد وتخلفت الرابطة العوامية الموالية للهند باحتلاله المرتبة الثانية بأقل من مائة مقعد ، وشكلت الحكومة بقيادة أرملة الراحل ضياء الرحمن خالدة ضياء وبتأييد من جماعة الإسلام المودودية -أكبر الأحزاب الإسلامية وثالث القوي السياسية- التي احتلت المرتبة الرابعة بـ18 مقعدا من جملة 300 مقعد ، واحتل حزب الرئيس المخلوع إرشاد المرتبة الثالثة بـ35 مقعدا.

بعد تشكل الحكومة المنتخبة ازداد في البلاد نشاط القوي العلمانية المتشددة واللادينية في مجال الإعلام والثقافة ، إلا أن الحكومة المقربة من الإسلاميين لم تقم بأي خطوة هادفة إلي خفض حدة العلمانية واللادينية ، ومن جانب آخر استمرت وازدادت حدة الفساد في عهد هذه الحكومة ، الأمر الذي ساهم في خفض تأييد الحركات الدينية والقوي المدنية لهذه الحكومة.

وفي الانتخاب العام التالي الذي عقد عام 1996م برعاية الحكومة المشرفة المحايدة تصدرت الرابطة العوامية وشكلت الحكومة بتأييد حزب الرئيس المخلوع إرشاد ، فتشجعت الهند وعادت الصداقة التي غابت بينها وبين حكومة بنغلاديش منذ 21 عاما ، وازدادت نشاطات أصحاب الثقافة العلمانية وركنت الحكومة إلى الرغبات الهندية ، وعم الفساد في البلاد والمضايقة علي الإسلاميين .

وفي الانتخاب العام التالي الذي عقد عام 2001م برعاية الحكومة المشرفة المحايدة تصدر حزب الرئيس الراحل ضياء الرحمن “الحزب القومي البنغلاديشي” المتحالف مع الإسلاميين والقوميين بأكثر من مائتي مقعد ، وتم تشكيل الحكومة وحصلت جماعة الإسلام المودوية علي وزارتين ، وهي الصناعة والشئون الاجتماعية بالإضافة إلي مناصب أخري.

كان للشعب البنغالي المسلم أمل كبير في هذه الحكومة في أن تقوم بتغيرات جزرية تخفض حدة الفساد المستشرية في مفاصل الدولة والنشاطات اللادينية التي تتحدي الهوية الإسلامية لهذا البلد الإسلامي الكبير ، وكذا كانوا يرجون من هذه الحكومة إضافة المواد الدينية في المدارس الرسمية كي تعني بتعليم الطلاب تلاوة كتاب الله ومسائل العقيدة والعبادة ، إلا أن هذه الحكومة خيَّبت آمالهم مع كونها جاءت إلي السلطة بأصوات المسلمين وحدهم ، وبسبب إهمال هذه الحكومة مطالب الشعب المسلم وكذا تورطها في الفساد انخفضت شعبيتها من 55% إلي 35%.

وفي نهاية مدتها عام 2006م أصرت هذه الحكومة علي رفض بعض المطالب العادلة للقوي المعارضة حول الانتخاب ، فانتشر الفوضي في البلاد بسبب حركات الاحتجاج التي قام بها الحزب المعارض “الرابطة العوامية” ، ما دفع أخيرا الجيش إلي أخذ زمام السلطة من الحكومة المشرفة في يناير عام 2007م وإلغاء عملها -عقد الانتخاب في حدود ثلاثة أشهر- ، بعدها أخذت حكومة الجيش بإلقاء القبض علي الساسة الفاسدين ما فيهم ابن الرئيس الراحل ضياء الرحمن وزعيم الحزب القومي البنغلاديشي طارق الرحمن ، وانتهت العملية باعتقال رئيسة الحزب القومي البنغلاديشي خالدة ضياء ورئيسة الرابطة العوامية
حسينة واجد.

أعادت حكومة الجيش الصداقة مع الهند في عهدها القصير ، وفي منتصف عام 2008م أطلقت سراح الزعيمتين ، وقد عهدت رئيسة الرابطة العوامية ألا تقوم بمحاكمة مسئولي الجيش أبدا حال فوزها في الانتخاب . بعده عقدت حكومة الجيش الانتخاب العام في نهاية ديسمبر نفس العام ، وقد دعمت الحكومة الهندية حزب الرابطة العوامية بالأمول الطائلة في الانتخاب ، وفي النتائج المفائجة للانتخاب أعلنت الحكومة أن حزب الرابطة العوامية -المتحالف مع حزب الرئيس المخلوع إرشاد وبعض الأحزاب اليسارية- تصدرت بأكثر من 250 مقعدا ، وحصل الحزب القومي البنغلاديشي علي 33 مقعدا وحليفته جماعة الإسلا
م المودودية علي مقعدين اثنين .

بعد هذا الفوز الساحق تقدمت الحكومة العلمانية إلي إعادة دستورها العلماني الأول ومحاكمة قادة الحزب القومي البنغلاديشي وقادة حليفته جماعة الإسلام المودودية بتهمة الجرائم ضد الإنسانية في حرب عام 1971م وبتهمة المؤامرة علي قتل رئيسة حزب الرابطة العوامية وأعوانها إضافة إلي تهمة تقديم التسهيلات العسكرية للمتمردين الهنود ، ويضاف إلي ذلك إلغاء نظام الحكومة المشرفة المحايدة التي كانت ثمرة احتجاجات شديدة للرابطة العوامية ، فقد طالبت به من حكومة الحزب القومي البنغلاديشي عام 1995م وأجبرتها لتنفيذه لتأمين نزاهة الانتخاب علي حد قولها.

وقد فاجأ الحزب القومي البنغلاديشي بإلغاء نظام الحكومة المشرفة المحايدة وطالب بشدة بإعادته إلى الدستور لتخوفه من تزوير الانتخاب العام القادم من قبل الرابطة العوامية لو يتم عقده بإشراف حكومتها ، إلا أن حكومة الرابطة العوامية اعتذرت عن إعادة نظام الحكومة المشرفة المحايدة في الدستور بحجة أنه يعطي فرصة وصول غير السياسيين إلي السلطة ولعبهم بمستقبل السياسين ولو لثلاثة أشهر ، خاصة بعد ما  تمكن الجيش من الوصول إلي السلطة عام 2007م  بسبب هذا النظام ومحاكمة كبار السياسين والنيل من شرفهم . إلا أن الحزب القومي البنغلاديشي أصر بمطالبته بإعادة نظام الحك
ومة المشرفة المحايدة وهدَّد بمقاطعة الانتخاب وعرقلته لو عقد بإشراف حكومة الرابطة العوامية . لكن حكومة الرابطة العوامية ردت بأنه ليس بإمكان أحد عرقلة الانتخاب وأنه لا يُضغظ علي أحد للمشاركة في الانتخاب مهملة بجميع المناشدات الوطنية والدولية والغربية التي تنصحها بتهيئة الأجواء لمشاركة القوي المعارضة في الانتخاب. وقد دعمت الهند موقف حكومة الرابطة العوامية ووعدت بمواصلة دعمها لإبقائها علي السلطة ، فتشجعت حكومة الرابطة العوامية لعقد الانتخاب بغير مشاركة القوي المعارضة ، ففي بداية يناير هذا العام 2014م عقد الانتخاب العام رغم مقاطعة القوي ال
معارضة التي تحظي بتأييد 70% من الشعب.

وبعد فوز حكومة الرابطة العوامية وحلفائها بجميع مقاعد المجلس الوطني ازدادت مطاردة وقمع وقتل المعارضين ، ما أدي إلي شلل في تنظيمهم ودخول اليأس في نفوس مؤيديهم.

فالشعب البنغالي اليوم يعاني من إضراب وحصار القوي المعارضة من جهة ، ومن جهة أخري تعاني من استبداد حكومة علمانية فرضت عليهم من دولة الهند المعادية للحركات القومية والإسلامية.

Continue Reading
Advertisement
Ads
Click to comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آسيا

رحلتي إلى الله 💖 قصة حب للزوجين الكوريين المسلمين يعيشان بالمغرب

عائلة بوهيمية

Published

on

قصة حب للزوجين الكوريين المسلمين يعيشان بالمغرب

رحلتي إلى الله 💖 قصة حب للزوجين الكوريين المسلمين يعيشان بالمغرب

عائلة بوهيمية❣️

Continue Reading

إفريقيا

عاملة إغاثة إيطالية تعتنق الإسلام رغم خطفها من جماعة إسلامية متشددة، فكيف علق الإيطاليون؟

عاملة إغاثة إيطالية تعتنق الإسلام رغم خطفها من جماعة إسلامية متشددة
انتقادات من أحزاب اليمين في إيطاليا لعاملة إغاثة أعلنت اعتناقها الإسلام بعد الإفراج عنها من قبل حركة الشباب المتشددة

Published

on

عاملة إغاثة إيطالية تعتنق الإسلام رغم خطفها من جماعة إسلامية متشددة، فكيف علق الإيطاليون؟

عاملة إغاثة إيطالية تعتنق الإسلام رغم خطفها من جماعة إسلامية متشددة انتقادات من أحزاب اليمين في إيطاليا لعاملة إغاثة أعلنت اعتناقها الإسلام بعد الإفراج عنها من قبل حركة الشباب المتشددة

Continue Reading

أوربا

بريطاني مسلم عمره قرن يمشي صائما لجمع التبرعات للمتضررين من كورونا

بريطاني مسلم عمره قرن جمع أكثر من ألف جنيه استرليني تبرعات من أجل المتضررين من وباء كورونا.

Published

on

بريطاني مسلم عمره قرن يمشي صائما لجمع التبرعات للمتضررين من كورونا

Continue Reading

أمريكا

أول رمضان لي كامرأة مسلمة

هذا العام خاص لأسباب عديدة. في حين أنها ليست السنة الأولى من صيامي ، إنها المرة الأولى التي أصوم فيها كامرأة مسلمة ، وهو أمر أنا ممتن له وفخور به. الظروف التي تكمن وراء صيام هذا العام لها نوع مختلف من الدلالات – على سبيل المثال ، أنا لا أصوم فقط بسبب الاختيار الغريب كما فعلت في العام الماضي ، بل بسبب الرغبة في الوفاء بالالتزام الديني

Published

on

هذا العام خاص لأسباب عديدة. في حين أنها ليست السنة الأولى من صيامي ، إنها المرة الأولى التي أصوم فيها كامرأة مسلمة ، وهو أمر أنا ممتن له وفخور به. الظروف التي تكمن وراء صيام هذا العام لها نوع مختلف من الدلالات – على سبيل المثال ، أنا لا أصوم فقط بسبب الاختيار الغريب كما فعلت في العام الماضي ، بل بسبب الرغبة في الوفاء بالالتزام الديني

Continue Reading

مساجد

المسجد في الإسلام

Published

on

المسجد ليس ديرًا ولا كنيسةً، وليس في الإسلام رهبانية تقطع المسلم عن مجريات الحياة، بل إنه دِين كامل شامل، ومن هذا المنطلق فإن البيت الذي اختص للعبادة في الإسلام لا بد أن ينطلق من هذه الشمولية، ويستوعب جميع المجالات، ويهتم بجميع عناصر المجتمع الإسلامي، ويقوم باستخدام طاقات الشباب ومواهبهم استخدامًا نافعًا للإسلام، ويزود أبناء الجيل الجديد بزادٍ من التقوى والإحسان والسلوك والمعرفة، ويغرس فيهم حب الإيمان والعمل الصالح.

و الشيء الذي دفعنا للحديث عن المسجد ودوره في البعث الإسلامي، هو أنه اليوم لا يلعب الدور المطلوب في هذا المجال، في حين أنه مرجو ليكون في مقدمة المؤسسات الدينية والتربوية التي عليها أن تتحمل النصيب الأوفر في هذا المضمار.

ورب نظرة خاطفة عن دور المسجد عبر التاريخ الإسلامي، ترينا حقائق كثيرة، وتطلعنا على أمور ما أحوج المسلمين اليوم للتعرف عليها: ذلك أن بناء الرجال وصناعة المجتمعات، وتحميس الأفراد، وتنقية قلوبهم وأفكارهم وعقد ألوية الجهاد في سبيل الله، كل هذه الأمور كانت من عمل المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق الله تعالى إذ يقول: “في بيوت أذن الله ان ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر الله و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء من غير حساب”. سورة النور.

في هذا المبحث سنتعرف على دور المسجد في المجتمع الإسلامي، و المجالات التي كان يشملها.

الطهارة الحسية والمعنوية

إن المسلمَ مطالَبٌ في صلاته بأن يكون طاهرَ الثوب، والبدن، والمكان، وأن يكونَ طاهرًا من الحدَثَيْنِ الأكبرِ والأصغر، وحين يصلي فإن الصلاةَ تُطهِّرُه من الذنوب والآثام، يقول الله تعالى: ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ [التوبة: 108].

دار القضاء

كان المسجد دارًا للقضاء، والفصل بين المتخاصمين؛ حيث يأمَنُ فيه كلُّ إنسان على نفسه، ويطمئنُّ على أخذ حقه؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ ﴾ [سورة ص: 21، 22].

قال الإمامُ القرطبي في تفسيره: “ليس في القرآن ما يدلُّ على القضاء في المسجد إلا هذه الآياتُ، وبها استدَلَّ من قال بجواز القضاء في المسجد، ولو كان ذلك لا يجوز – كما قال البعضُ – لَمَا أقرَّهم داود عليه السلام على ذلك، وقال لهم: انصرفا إلى موضع القضاء”.

وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم والخلفاءُ يقضُون بين النَّاس في المسجد. [1]

مدرسة/جامعة

ذكر عبد الرحمن السيد في كتابه (مدرسة البصرة النحوية) في هذا الصدد: “لم تكن هناك بطبيعة الحال مدارس منظمة أو معاهد مهيَّأة يلتقي فيها المعلمون والمتعلمون على النحو الذي نراه في عصرنا الحاضر، وإنما كانت الدراسة ملائمة لهذه الحقبة من تاريخ البشرية، متماشية مع حاجات الناس في ذلك العصر المتقدم، فكان من جملة ما يسعى إليه الدارسون لأخذ العلم والأدب واللغة المساجدُ، فكانت حلقات الدراسة تُعقَد فيها”.

و لم تكن المساجد على هذه الحالة في البصرة فقط، فقد عمت جميع مساجد العالم، حتى مساجد تمبكتو في مالي دأبت على نفس المنوال، و أذكر ما قال عبد الرحمن السعدي في كتابه “تاريخ السودان”:

“ولم تكن تمبكتو تضم فقط هذه المساجد الثلاثة المشهورة: بل ضمت مساجد أخرى: ولكنها لم تصل إلى شهرة هذه الثلاثة ومكانتها في التاريخ الحضاري الإسلامي لغرب إفريقيا، وقد أوصل المؤرخون عددها إلى أكثر من تسعة مساجد .

كانت هذه المساجد الثلاثة – بصفة خاصة – معاهد تعليمية كبرى. ومراكز ثقافية مهمة، مثل الجامع الأزهر بالقاهرة؛ والجامع الأموي بدمشق. وجامع الزيتونة بتونس؛ وجامع قرطبة بالأندلس؛ وجامع القرويين بفاس. وغيرها من المساجد الإسلامية الكبرى.

فكانت المرحلة العليا من التعليم – في هذه المساجد التمبكتوية – تشبه ما كان بالأزهر قديما وما هو كائن اليوم. إذ إن حلقات الدراسة مازالت تعقد في جامع تمبكتو، وينتظم فيها طلبة الدراسات الإسلامية؛ الذين يمنحون شهادة الإجازة (الليسانس)؛ تماما كزملائهم الذين يتخرجون في الكليات المختلفة في جامع الأزهر .

ويسمي بعض المؤرخين هذا النوع من التعليم المسجدي بالجامعات العامة. لأنه يجمع بين فكرة التخصص الدقيق وفكرة الثقافة التربوية العامة. وهو تعليم إسلامي أصيل. وضعت بذرته الدعوة الإسلامية وما تمت ظلالها .” [2]

ناهيك عن انتشار الكتاتيب في المساجد، و تطور كبير في بعض منها، كما حصل في مسجد القرويين، و الذي استحدث فيه أول جامعة في العالم.

و بخصوص الكتاتيب: فهي بداية التعليم لدى الطفل، ومفردها كتّاب ويطلق عليه المكتب، وسمي بذلك لأنه يتعلم فيه التلميذ الكتابة؛ ويطلق عليه أهل صنعاء واليمن المعلامة. والمعلامة: غرفة ملحقة في الغالب بأحد المساجد أو تجاورها، يأتي إليها الأطفال في سن السادسة من العمر يوميا لتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب، والتدرب على قراءة القرآن الكريم: وكان المعلمون لا يتقاضون أجرًا رسميا مقابل تعليمهم للصبيان، بل كانوا يعتمدون على ما يدفعه لهم الصبيان من نقود في آخر الأسبوع، وكان أهل صنعاء يسمونها: “حق الخميس”. [3]

مكتبة

تحتوي العديد من المساجد خلال مختلف الأزمة على العديد من الكتب التي تهم المسلم، دينا و دنيا، و تكون مفتوحة للعامة لمن أراد القراءة.

وأذكر منها [4] :

مكتبة الحرم المكي

مكتبة أيا صوفيا

مكتبة مسجد أبي أيوي

مكتبة مسجد السلطان أحمد الثالث

خزينة جامع السلطان محمد.

وفي الجامع الكبير في صنعاء مكتبة تحتوي على مخطوطات هامة وكتب قيمة، وقد بدأت هذه المكتبة صغيرة فكانت مجرد خزانة خشبية تقع في مؤخرة الجامع، ثم تطورت بعد ذلك تدريجيا وأقبل الطلاب من صنعاء وخارجها على هذه المكتبة؛ نظرا لكونها أكبر مكتبات الجوامع بصنعاء خاصة واليمن عامة؛ ولان الكتب التي بداخلها كتبت بخطوط رائعة [5].

و بإمكان الباحث أن يستزد في هذا الباب من خلال كتاب “المكتبات العامة الموصلية منذ القرن الثامن عشر و حتى القرن العشرين” للمؤلف قصي حسين آل فرج.

الفلك

كان للجامع الأموي الكبير (حلب) دور كبير كمؤسسة لعلوم الفلك، فقد درس فيه العديد من العلماء المشهورين أمثال: العالم ابن النقيب (900-971هـ/ 1494-1563م)[6] والعالم أحمد آغا الجزار (في القرن 19).

وقد قضى عالم الفلك العربي ابن الشاطر معظم حياته في وظيفة التوقيت ورئاسة المؤذنين في الجامع الأموي من عام 1332 حتى وفاته في عام 1376 [7]، وقد قيل أنه قام بتنصيب مزولة كبيرة على المئذنة الشمالية للمسجد في عام 1371. [8]

مكان للتشاور و الإستشارة

المسجدُ كان – ولا يزال – أفضلَ مكانٍ للتشاور بين المسلمين، في كل شأن من شؤون دِينهم ومعيشتهم؛ لأن المسلمَ في المسجد يكونُ بعيدًا عن هوى النَّفس ونزغات الشيطان.

مآل الفقراء و المساكين و أهل الصفة

الحرصُ على صلاة الجماعة وسيلةٌ ممتازة للتعرُّف على ظروف هؤلاء وأحوالهم، وهذا في الواقع يُعَدُّ هدَفًا من أهداف الإسلام حين رغَّبَ في صلاةِ الجماعة، وحثَّ عليها.

 عن مُعاذِ بن جبلٍ رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الشيطانَ ذِئبُ الإنسان، كذئب الغنم، يأخذ الشاةَ القاصية والناحية؛ فإياكم والشِّعابَ، وعليكم بالجماعةِ والعامَّةِ والمسجد)) رواه الإمام أحمد في المسند.

>>حدثنا أبو النعمان قال حدثنا حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة فقال “أصليت يا فلان” قال “لا” قال “قم فاركع ركعتين”

قوله : ( قم فاركع ) زاد المستملي والأصيلي ” ركعتين ” وكذا في رواية سفيان في الباب الذي بعده ” فصل ركعتين ” ، واستدل به على أن الخطبة لا تمنع الداخل من صلاة تحية المسجد ، وتعقب بأنها واقعة عين لا عموم لها فيحتمل اختصاصها بسليك ، ويدل عليه قوله في حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب السنن وغيرهم جاء رجل والنبي – صلى الله عليه وسلم – يخطب والرجل في هيئة بذة ، فقال له : أصليت ؟ قال : لا . قال : صل ركعتين ، وحض الناس على الصدقة الحديث فأمره أن يصلي ليراه بعض الناس وهو قائم فيتصدق عليه<< [9]

محمد بن خفيف رحمه الله من علماء الحنابلة قالوا قد نزل به الفالج، الفالج هو مثل الجلطة شلل نصفي، يقولون فكان إذا أُذّن عليه للصلاة إذا سمع الآذان قال :” احملوني إلى المسجد” قالوا : سبحان الله، إن الله قد عذرك، قال: “أعلم أن الله قد عذرني أعلم لكني لا أطيق” -لا أصبر- ثم قال :”إذا سمعتم حيّ عل الصلاة حيّ على الفلاح ولم تروني في الصف فاطلبوني في المقبره” يعني إن لم تجدوني في المسجد اعلموا أني قد مت، أنا في المقبره، “فاطلبوني في المقبره” !

دور للعلاج و حضانة للأطفال

في ترجمة العالم الجليل سليمان ربيع يذكر يوسف المرعشلي في كتابه “نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر ” قوله “كما أنشأ مستشفى خيريا كبيرا يجمع مختلف الأطباء في جميع التخصصات العلاجية: وأحدث الطرق العلاجية للأمراض المزمنة. وخاصة مرض الفشل الكلوي. حيث استورد جهازا للغسيل الكلوي ليكون بأسعار مخفضة ومتاحة للمرضى.

وقد الحق بالدور العلاجية مبنى للمسنين الذين لا يجدون من يقوم بخدمتهم، فأتاح لهم الراحة الكاملة، من خدمات ومماشات يومية. وعوضهم خيرًا عن أبنائهم وأقاربهم الذين اهملوا رعايتهم وحقوقهم بعد لن كبروا في السن.

وفي طريق طلب العلم ونشره أنشأ معهدًا كبيرًا وضمه للأزهر؛ وهى معهد الفتيات بمصر الجديدة. كما أتمّ بالحي نفسه بناء خمسة عشر مسجدًا، وألحق بكل مسجد دورًا للعلاج وحضانة للأطفال وتعليمهم.” [10]

مستشفى

لقد كانت المستشفيات في بلاد المسلمين تُبنى في أفضل الأماكن البيئية وأبعدها عن أسباب التلوث والتغير؛ وبدأ ذلك منذ فترة باكرة، فأول بيمارستان في الإسلام كان خيمة نُصِبت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد هو أطهر مكان في أرض المسلمين، إذ يجتمع الناس فيه للصلاة وهم متطهرون، وكان أول ذلك الأمر بعد غزوة الأحزاب، وكان أول من عولجوا هم جرحى هذه الغزوة، وعرفت الخيمة باسم طبيبتها رفيدة الأسلمية فكان يقال «خيمة رفيدة» [11]

ونرى كثيراً من المستشفيات في الحضارة الإسلامية بُنيت بجوار المسجد، ويزداد الأمر وضوحاً إذا علمنا أن المسجد كان هو مركز المدينة الإسلامية وأفضل البقاع فيها، وأحياناً تُبنى بجوار القصور أو تُحوَّل القصور إلى مستشفيات، ولا ريب أن القصر يُبنى في أفضل المواقع من المدينة كما هو معروف ومتوقع. وأحياناً لا تبخل علينا المصادر فتصف موقع المستشفى بمزيد تفصيل فإذا بنا نجده على شاطئ نهر أو على شاطئ بحيرة (وتسمى: بِرْكَة) أو نحو هذا.

فمن هذا ما ورد من أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بنى بيمارستاناً «كان مكانه في قبلة مطهرة الجامع الأموي» عند المئذنة الغربية.[12]

و لمن أراد الإستزادة في هذا الصدد، فبإمكانه مراجعة مقالة مجلة البيان “مواقع المستشفيات في الحضارة الإسلامية”. [13]

توثيقِ عقود الزواج

كان المسجد دارًا لتوثيقِ عقود الزواج؛ لِما رواه الترمذيُّ وغيرُه، عن عائشةَ رضي الله عنها، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أعلِنوا هذا النكاحَ، واجعَلوه في المساجدِ، واضرِبوا عليه بالدُّفوفِ)).

ولكي يعود للمسجد دورُه الرِّياديُّ في نهضة الأمَّة وتقدُّمها، واستعادة مَجْدها؛ فإنه ينبغي أن يمكَّنَ للمسجد كي يؤديَ رسالته الرُّوحية، والتعليمية، والاجتماعية، دون قيود؛ لكي يعودَ كما كان مِحورًا للعديد من المجالات النافعة للأمة؛ كأن يُلحَق به نادٍ للشباب يمارسون فيه رياضةً بدنيَّة خفيفة، ويقومون بأنشطة ثقافية وترفيهية، وأن يضم مكتبةً أكبر للقراءة والمطالعة، يتزوَّدُ فيها رواد المسجد بالثقافة الرَّفيعة.

وينبغي كذلك أن يقومَ المسجد بدوره في رعاية الطلاب، وتقديمِ العون لهم؛ كي يتفوّقوا في دراستهم؛ تخفيفًا عن كاهل أولياء أمورهم، ولكي تتوثَّقَ علاقة الشباب بربِّه عن طريق ارتباطه بالمسجد.

المراجع

[1] تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) 1-11 ج8 ص 118

[2] تاريخ السودان (كتاب في تاريخ الإسلام والثقافة والدول والشعوب) ص 74

[3] تاريخ صنعاء منذ فجر الإسلام وحتى أواخر القرن الرابع الهجري. ص:299

[4] تفسير الراغب الأصفهاني المتوفي في حدود سنة 450هـ دراسة وتحقيقاً من اول سورة آل عمران

[5] عفيفي البهنسي: الجامع الكبير بصنعاء، دراسة تاريخية و معمارية لأقدم مسجد دامع في اليمن، ص 130

[6] “خليل بن أحمد النقيب.” الموسوعة العربية، (http://arab-ency.com/.)

[7] Charette، François (2003), Mathematical instrumentation in fourteenth-century Egypt and Syria: the illustrated treatise of Najm al-Dīn al-Mīṣrī (Kitāb Fī Al-ālāt Al-falakīyah). p.16

[8] Selin، Helaine، المحرر (1997)، Encyclopaedia of the history of science, technology, and medicine in non-western cultures p.413

[9] فتح الباري شرح صحيح البخاري 888

[10] نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر  ص 1834

[11] ابن هشام: السيرة النبوية 2/239، الطبري: تاريخ الطبري 2/586

[12] ابن العماد: شذرات الذهب 7/584

[13] رابط المقالة في مجلة البيان.

Continue Reading
Advertisement
MEDIUM RECTANGLE