Connect with us

Published

on

2

في العام 1482م تقلد أبو عبد الله الصغير عرش غرناطة, وكان عمره لا يتجاوز 25 عامًا, وكانت الأندلس الإسلامية قد تقلصت وانكمشت في المناطق الجنوبية من شبه الجزيرة الأيبيرية على شكل مملكتين, يتنازع ملوكهما على كل شيء، هما مملكتا مالقة وغرناطة.

(1)

وفي تلك السنة, هاجم الأسبان إمارة مالقة في محاولة للاستيلاء عليها وإبادة من بها من المسلمين, لكنهم هُزموا شر هزيمة على يد أبي عبد الله الزغل, الذي طار ذكره في الآفاق كبطل شعبي بعث الحماس في نفوس المسلمين في أرجاء الأندلس, وأعطاهم بعض الأمل في إمكانية استعادة الأمجاد المفقودة, والخروج من دائرة الذل والمهانة التي يعيشونها.

أما أبو عبد الله الصغير, فقد شعر بالغيرة للشعبية الهائلة التي حصل عليها “الزغل”، وأراد أن يقلده, فخرج في جيش كبير يريد قتال الأسبان, لكنه هُزم شر هزيمة, وأُسر وبقي في الأسر عامين, ولم يخرج إلا بعد أن وقع اتفاقًا سريًّا مع فرديناند ملك الأسبان وزوجته إيزابيلا, ينص على مساعدته في استعادة عرش غرناطة, مقابل أن يعترف بالطاعة والتبعية للتاج الإسباني, وأن يدفع جزية سنوية, ويفرج عن الأسرى النصارى في سجون غرناطة, وأن يقدِّم ابنه وبعض أبناء الأمراء رهينة للوفاء, وأن يناصرهم ضد مالقة وسلطانها الزغل.

(2)

أما أهالي غرناطة المسلمة, فلم يفهموا الملك على حقيقته عند رجوعه من الأسر, بل رأوا فيه مجاهدًا مسلمًا قاتل وأسر, ولم يعلموا أن “الصغير” قد خرج من الأسر ضعيفًا متهالكًا، قد باع للعدو شرفه ودينه لقاء العرش.

وعاد أبو عبد الله الصغير بفكر جديد إلى المسلمين في غرناطة, لماذا لا نتصالح ونتهادن مع الأسبان، فتقف الحروب ويتفرغ العُمَّال لأعمالهم والتجار لتجارتهم, والزراع لزراعتهم؟!

ولم يشك أحد في نبل مقصده, وشرف غايته, وهو المجاهد القديم. ولكن هذه الدعوة أحدثت الاضطراب والانقسام, الأمر الذي مكن الأسبان من السيطرة على قواعد إسلامية مهمة أثناء ذلك الاضطراب, وتتابعت الأحداث, وبدأت المناطق الإسلامية تسقط الواحدة تلو الأخرى، وسقطت مالقة بعد خيانة المدعو يحيى النيار, الذي تنصَّر سرًّا، وبذل جهدًا كبيرًا ليرغم “الزغل” على التسليم.

وأخيرًا وعلى غير ما هو متوقع من فارس مثل الزغل, فقد وقّع معاهدة سرية واستسلم وغادر بعدها إلى المغرب, ثم استقر في تلمسان حيث عاش نادمًا متحسرًا على النهاية الأليمة التي انتهى إليها.

(3)

أما “الصغير” ملك غرناطة, فقد وقّع اتفاقًا سريًّا جديدًا مع الأسبان, ينص على تسليم غرناطة إذا سقطت بسطة وألمرية ووادي آش وهي مدن مالقة. وقد تحقق الشرط فوجب الوفاء، لكن شعب غرناطة رفض هذه المعاهدة, وأرغم “الصغير” على الخروج للحرب ضد الأسبان الذين حشدوا جيشًا قوامه ثمانون ألفًا, وبدءوا في حصار غرناطة التي أظهرت في تلك الفترة أعظم صور الجهاد والتضحية والاستبسال, وكان المجاهد البطل موسى بن أبي غسان يخرج لقتال العدو كل يوم أو ليلة, وبدا أن النصر قد أصبح قريبًا، لكنه بحاجة إلى مزيد من الصبر والتضحية، التي مهما عظمت فقد ثبت أنها أقل كلفة وضحايا من الاستسلام -كما ظهر لاحقًا-.

أما الصغير, ورغم عدم قدرته على الجهر بنيته لتسليم المدينة, لكنه أخذ يخوِّف الأشراف من طرف خفي, ومع ضغط الحصار ودور “الطابور الخامس” في نشر اليأس في نفوس الشعب، أخذ يظهر هناك من يدعو إلى التسليم, وساهم “الصغير” وحاشيته في حملة تعبئة تظهر أن لا طريق سوى طريق الاستسلام للسلامة, وللحفاظ على النفس والمال والأهل، وبات الجو مهيئًا للاستسلام..

وتوقفت حملات القتال التي كانت تخرج من المدينة، وبدأت المفاوضات مع الأسبان للاستسلام، وفي النهاية تم توقيع اتفاقية في شهر نوفمبر سنة 1491م تنص على تسليم المدينة, وتسريح الجيش ومصادرة السلاح… إلخ، مع كثير من البنود التي تنص على حفظ حقوق المسلمين, والتي صيغت لجعل الشعب المسلم يوافق على هذه المعاهدة.

وإلى جانب هذا الاتفاق العلني، عقد اتفاق سري آخر, يتضمن ثمن توقيع المعاهدة الأولى من هبات مالية وامتيازات معيشية لمن وقّع الاتفاقية. وتحسبًا من رفض الشعب المسلم للمعاهدة، فقد نشر “الصغير” قوات جيشه لمصادرة السلاح من المواطنين, وقاموا باعتقال قادة المجاهدين وإعدامهم ليلاً قبل تسليم المدينة بيوم واحد. أما بالنسبة للمفاوضين الذين شاركوا في صياغة هذه الاتفاقية، فكانوا وزراء “الصغير” أبو القاسم المليح ويوسف بن كماشة فقد تنصَّروا، ولكن يبدو أن مسًّا من الجنون قد أصاب الوزير ابن كماشة, فبعد تنصُّره دخل أحد الأديرة المسيحية، ولم يعد أحد يسمع به حتى مات. أما صاحب الشرطة “فتوح وادي آش” وهو المسئول عن اعتقال المجاهدين وإعدام قادتهم، فقد تنصَّر وأصبح اسمه “الدون فيلا دي كاسترو”.

أما البطل موسى بن أبي غسان فقد قرر أن لا يحيا حياة الذل ولو ساعة واحدة تحت حراب الأسبان، فحمل سيفه وهجم به على مجموعة منهم، واستشهد -رحمه الله- بعد أن قَتَل عشرة من فرسانهم.

أما الأكثر إثارة للدهشة فهو أبو عبد الله الصغير الذي رفض التنصُّر جملة وتفصيلاً، على الرغم من تسليمه غرناطة, ومنع الشعب من المقاومة بكل السبل, وفي النهاية قرر المغادرة بعد أن غدا شخصًا غير مرغوب به بعد رفضه التنصر.

(4)

وغادر أبو عبد الله الصغير الأندلس في أوائل أكتوبر 1493م ومعه بعض أتباعه وأهله والمرتبطين به، ونزل مليلة ومنها إلى فاس حيث استقر هناك، وفي تلك السنة نزلت بالناس سنة رديئة, ومجاعة عظيمة, وقال الناس: إنها لعنة ذلك الذي ضيَّع الإسلام.

وقد أقام قصرًا على الطراز الأندلسي, وصار ينفق من ثمن غرناطة الذي قبضه من فرديناند وإيزابيلا, وعاش بعدها حياة مجهولة لم يعرف تفاصيلها أحد، مات وهو في الخامسة والسبعين من عمره، واختلف المؤرخون في سبب موته، وقيل: إنه قُتل في إحدى المعارك بين سلطان فاس ومعارضيه. وقد ترك من الأولاد أحمد ويوسف، حيث ذكر “المقري” المؤرخ الشهير أنه رأى أبناءهما في فاس شيوخًا يتسولون ويعيشون على الصدقات في العام 1618م.

ويشاء الله تعالى أن يظل شاهد قبره حيث كتب عليه اسمه وتاريخ ميلاده ويوم وفاته عتبة لباب منزل صغير بمدينة تلمسان, يطؤه الناس بأقدامهم في دخولهم وخروجهم. هذا هو محمد بن نصر، أو أبو عبد الله الصغير, مات في قتال لا شأن له به, شيخًا له 75 عامًا, غريبًا عن بلده, حاملاً ذلاًّ لا ينتهي, وعار الاتهام بالخيانة والتفريط يلاحقه كلما تذكرنا الفردوس المفقود.

المصدر: موقع الشبكة العربية العالمية.

آسيا

رحلتي إلى الله 💖 قصة حب للزوجين الكوريين المسلمين يعيشان بالمغرب

عائلة بوهيمية

Published

on

قصة حب للزوجين الكوريين المسلمين يعيشان بالمغرب

رحلتي إلى الله 💖 قصة حب للزوجين الكوريين المسلمين يعيشان بالمغرب

عائلة بوهيمية❣️

Continue Reading

إفريقيا

عاملة إغاثة إيطالية تعتنق الإسلام رغم خطفها من جماعة إسلامية متشددة، فكيف علق الإيطاليون؟

عاملة إغاثة إيطالية تعتنق الإسلام رغم خطفها من جماعة إسلامية متشددة
انتقادات من أحزاب اليمين في إيطاليا لعاملة إغاثة أعلنت اعتناقها الإسلام بعد الإفراج عنها من قبل حركة الشباب المتشددة

Published

on

عاملة إغاثة إيطالية تعتنق الإسلام رغم خطفها من جماعة إسلامية متشددة، فكيف علق الإيطاليون؟

عاملة إغاثة إيطالية تعتنق الإسلام رغم خطفها من جماعة إسلامية متشددة انتقادات من أحزاب اليمين في إيطاليا لعاملة إغاثة أعلنت اعتناقها الإسلام بعد الإفراج عنها من قبل حركة الشباب المتشددة

Continue Reading

الشرق الأوسط

الجزائر : اعتقالات بالجملة لمعارضين و نشطاء فيسبوكيين في مختلف أنحاء البلاد

Published

on

الجزائر – الجزائر | أحوال المسلمين

شنت السلطات الجزائرية اعتقالات عديدة بمختلف أنحاء الجمهورية، و قد بلغ عدد المعتقلين 26 معتقل منذ الـ 22 من الشهر الماضي، بينهم صحفيون و مقدمو برامج تلفزية و نشطاء سياسيون.

اعتقلت السلطات أمس رئيس تحرير قناة بير “محمد حميان” على اثر انتقاده اللاذع لوزير الصناعة عبد السلام بوشوارب عقب منع الديوان الوطني للحليب تسليم حصة بودرة لملبنة طاهر ميسوم، في حين شنت السلطات حملة اعتقالات كبيرة شملت 20 شاب من حي باب الواد بتهمة الترويج لعلي بن حاج و الجبهة الإسلامية على موقع التواصل الإجتماعي الفيسبوك.

اعتقال بعد 4 أيام من العودة للبلاد

Screenshot (1سس1)

أما الصحفي محمد تاملت فلم ينجو من الإعتقال بالرغم من انتشار أخبار مكذوبة حول اعتقاله، و تكذيبها من طرفه على صفحته الخاصة في الفيسبوك، إلا أن السلطات قامت لاحقا، الخميس الماضي، باعتقاله بعد عودته بـ 4 أيام من لندن، على خلفية انتقاده قائد الناحية العسكرية الرابعة عبد الرزاق شريف لوجود ابنه في حفل تخرج ضباط مدرسة القوات الخاصة في بسكرة.

و أضاف المحامي أمين عبد الرحمن سيدهم، أن موكله الصحفي محمد تامالت يوجد في سجن الحراش بالضاحية الشرقية للعاصمة، موضحا أنه اطلع على ملف القضية، الذي يتضمن تهمة السلطات لموكله “إهانة رئيس الجمهورية”، و يتضمن أيضا خلاصة تحريات أجراها جهاز المخابرات الداخلي حول ما ينشره الصحفي بشبكة التواصل الاجتماعي ومواقفه من المسؤولين في البلاد.

و ختم  المحامي أن الصحافي متابع مواد في قانون العقوبات، تتناول حكما بغرامة مالية وليس السجن، في حال ثبتت تهمة “سب وشتم رئيس الجمهورية” بحق أي شخص.

برنامج ساخر يؤدي بصاحبه للسجن

كي حنا كي الناس

و في نفس السياق نشرت “هيومن رايتس ووتش” مطلع الشهر الجاري أن مسؤوليْن في قناة تلفزيونية جزائرية خاصة تبث برنامجا ساخرا وُضعا رهن الحبس الاحتياطي في 24 يونيو/حزيران 2016.

و قد أمرت محكمة في الجزائر العاصمة بحبس المهدي بن عيسى، مدير قناة “كي بي سي”، ورياض حرتوف، مدير إنتاج برنامج حواري، بسبب مخالفة التصريح الممنوح للمحطة. جاء الأمر بعد 5 أيام على وقف قوات الأمن لعمليات الإنتاج في استديو يُنتج برنامجين حواريين هما “ناس سطح” و”كي حنا كي الناس”، ومصادرة أدوات الإنتاج.

برنامج “كي حنا كي الناس”، الذي انطلق بثه في 6 يونيو/حزيران، يتميز بلهجة غير تقليدية، ويقدّم محتوى ساخر ومنتقد للحكومة. في حلقة 16 يونيو/حزيران شبّه المغني الجزائري صلاح غاوا الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بـ”الخضر”، في تلميح إلى وضعه الصحي المتدهور.

قالت السلطات القضائية إن مخالفات في تصاريح التصوير هي التي كانت وراء اعتقال بن عيسى وحرتوف. اكما اعتقلت مونيا نجا، مسؤولة وزارة الثقافة التي أصدرت تراخيص البرنامجين.

يذكر أن أن مسؤولي الأمن استدعوا بن عيسى إلى مركز للشرطة يوم 22 يونيو/حزيران، وطلبوا منه إحضار إثبات امتلاكه إذن بث البرنامجين. وتم القاؤه في الاحتجاز في تلك الليلة.

تكميم الأفواه

سارة ليا ويتسن

من جهتها، قالت سارة ليا ويتسن، المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش تعليقا على الحادثة “سجن مسؤولين في قنوات تلفزيونية بذريعة وجود مخالفات هو إجراء غير متناسب. من الواضح أنه يرمي فقط لتكميم أفواه وسائل الإعلام الخاصة.”

Continue Reading

المغرب العربي

منغوليا : صور الإفطارات الجماعية في أرجاء البلاد

Published

on

أولان باتور – منغوليا | أحوال المسلمين

ما إن يعلن عن رؤية هلال رمضان في البلاد، حتى ينطلق الأطفال الى تجهيز أنفسهم استعدادا للمشاركة في الأنشطة الدينية المقامة في المساجد بربوع منغوليا.

تتنوع أنواع التآخي بين المسلمين عند دخول شهر رمضان المبارك، اذ يبدأ المنغوليون المساهمة في توزيع المساعدات الخيرية على الفقراء و المحتاجين، و تشرف على هذه الأنشطة الخيرية كثير من الجمعيات الإسلامية التركية.

تعرف على المسلمين في منغوليا

في كثير من مناطق منغوليا، يفطر العديد من المسلمين على الحليب و التمر ثم يقيمون صلاة المغرب، و بعدها ينكب الصائمون على الإفطارات الجماعية المنظمة، أو يعودون لبيوتهم حيث الحلويات الرمضانية و الإفطار مع الأهل.

صور و مرئيات إفطار رمضان 1437

مرئي افطار اليوم الرابع في مدينة أولان باتور مقدم من جمعية الوفاء الألمانية

صور توزيع مساعدات خيرية بمدينة “بيان أولغي” في اليوم الرابع من رمضان مقدمة من لدن الوقف الديني التركي

منغوليا مسلم افطار صيام منغوليا مسلم افطار صيام منغوليا مسلم افطار صيام منغوليا مسلم افطار صيام

صور افطار اليوم السابع من رمضان في مقر الوقف الديني التركي بالعاصمة أولان باتور

منغوليا مسلم افطار صيام منغوليا مسلم افطار صيام

صور افطار اليوم الثامن من رمضان في أحد البيوت المنغولية بالعاصمة أولان باتور

منغوليا مسلم افطار صيام منغوليا مسلم افطار صيام منغوليا مسلم افطار صيام

منغوليا مسلم افطار صيام

Continue Reading

المغرب العربي

تركيا : صلاة التراويح في مختلف مساجد تركيا

Published

on

اسطنبول – تركيا | أحوال المسلمين

نبذة :

يستقبل المسلمون الأتراك شهر رمضان المبارك بمظاهر البهجة والفرح، مثلما هو الحال عند كل الشعوب الإسلامية في أنحاء العالم الإسلامي. والمظاهر العلنية التي يبديها هذا الشعب المسلم عند قدوم شهر رمضان لهي أكبر دليل، وأصدق برهان على عمق وترسخ الإسلام، على الرغم من كل المحاولات التي قامت وتقوم لإبعاد هذا الشعب عن دينه، وسلخه عن عقيدته.

وتمثل مدينة ( استانبول ) الرمز الإسلامي في ذاكرة الشعب التركي؛ إذ هي كانت مقر الخلافة الإسلامية لفترة تزيد عن الخمسة قرون، كما أن فيها عددًا كبيرًا من المساجد والمعالم الإسلامية، ناهيك عن الأمانات النبوية المقدسة التي أحضرها السلطان سليم الأول عند عودته من الشرق العربي. وأكثر ما تبدو المظاهر الرمضانية عند هذا الشعب في هذه المدينة، التي تضم نسبة كبيرة من السكان تصل إلى أربعة عشر مليوناً أو يزيد، وفي هذه المدينة يُقرأ القرآن خلال هذا الشهر يوميًا في قصر ( طوبقابي ) الباب العالي سابقًا، وتستمر القراءة في هذا القصر دون انقطاع في ليل أو نهار.

ويعتمد المسلمون في تركيا الحسابات الفلكية في ثبوت شهر رمضان، وقل من الناس من يخرج لترصد هلال رمضان. وتتولى هيئة الشؤون الدينية التركية الإعلان عن بدء هلال شهر رمضان المبارك.

ومع بدء إعلان دخول الشهر الكريم رسميًا تضاء مآذن الجوامع في أنحاء تركيا كافة عند صلاة المغرب، وتبقى كذلك حتى فجر اليوم التالي، ويستمر الأمر على هذا المنوال طيلة أيام الشهر الكريم. ومظهر إنارة مآذن المساجد يعرف عند المسلمين الأتراك بـاسم ( محيا ) وهو المظهر الذي يعبر عن فرحة هذا الشعب وبهجته بحلول الشهر المبارك. ولكل مسجد من المساجد الكبيرة هناك منارتان على الأقل، ولبعضها أربع منارات، ولبعضها الآخر ست منارات. والعادة مع دخول هذا الشهر أن تُمد حبال بين المنارات، ويُكتب عليها بالقناديل كلمات: ( بسم الله، الله محمد، حسن حسين، نور على نور، يا حنان، يا رمضان، خوش كلدي ) وأمثال ذلك، وما يكتبونه يقرأ من الأماكن البعيدة لوضوحه وسعته.

وانتشار الدروس الدينية في المساجد وقراءة القرآن مظهر بارز في هذا الشهر عند الأتراك؛ وخاصة في مدينة ( استانبول ) المشتهرة بمساجدها الضخمة، ومآذنها الفخمة، والتي يأتي في مقدمتها مسجد ( آيا صوفيا ). ويبتدئ وقت هذه الدروس مع صلاة العصر، وتستمر إلى قرب وقت المغرب، وتُرى المساجد الشهيرة في هذا الشهر عامرة بالمصلين والواعظين والمستمعين والمتفرجين الطوافين من النساء والرجال.

والعادة في تركيا أنه حينما يحين موعد أذان المغرب تطلق المدافع بعض الطلقات النارية، ثم يتبع ذلك الأذان في المساجد. وبعد تناول طعام الإفطار يُهرع الجميع مباشرة؛ أطفالاً وشبابًا، ونساء ورجالاً صوب الجوامع والمساجد لتأمين مكان في المسجد، يؤدون فيه صلاة العشاء وصلاة التراويح، والتأخر عن ذلك والإبطاء في المسارعة قد يحرم المصلي من مكان في المسجد، وبالتالي يضطره للصلاة خارج المسجد، أو على قارعة الطريق.

والحماس الزائد عند الأتراك لأداء صلاة التراويح يُعد مظهرًا بارزًا من مظاهر الفرح والحفاوة بهذا الشهر الكريم، حيث تلقى صلاة التراويح إقبالاً منقطع النظير من فئات الشعب التركي كافة، الأمر الذي يدل دلالة واضحة على الحب العظيم والاحترام الكبير الذي يكنه أفراد هذا الشعب لهذا الشهر الفضيل، لكن يلاحظ في هذه الصلاة السرعة في أدائها، إذ لا يُقرأ فيها إلا بشيء قليل من القرآن، وقليل هي المساجد التي تلتزم قراءة ختمة كاملة في صلاة التراويح خلال هذا الشهر المبارك.

ومن المعتاد في صلاة التراويح عند الأتراك الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد كل ركعتين من ركعات هذه الصلاة، إضافة إلى قراءة بعض الأذكار الجماعية التي تقال بعد كل أربع ركعات؛ كقولهم: ( عز الله، وجل الله، وما في قلبي إلا الله ).

ومن معتادهم إضافة لما تقدم، قولهم في النصف الأول من رمضان: ( مرحبًا يارمضان ) وقولهم في النصف الثاني منه: ( الوداع ).

ومن الأمور التي يحرص عليها الأتراك في هذا الشهر صلاة ( التسابيح ) وهم يؤدونها عادة في الأيام الأخيرة من رمضان، أو ليلة العيد.

والأتراك يولون عناية خاصة بليلة القدر، حيث يقرؤون فيها المدائح النبوية، إضافة إلى بعض الأناشيد الدينية.

ومن المعروف عن الشعب التركي المسلم اهتمامه الشديد وحرصه الدائب على قراءة القرآن طيلة شهر رمضان؛ ففي هذا الشهر المبارك يقوم المسلمون الأتراك بتقسيم وتوزيع سور القرآن الكريم فيما بينهم، على أساس قدرة كل شخص منهم فيما يستطيع أن يقرأه من القرآن، ثم مع اقتراب الشهر الكريم من نهايته تقوم تلك المجموعات التي قسمت قراءة القرآن فيما بينها وتذهب إلى مسجد من المساجد، وتتوجه إلى الله بالدعاء الجماعي الخاص بختم قراءة القرآن الكريم، ويتبع ذلك عادة حفل ديني صغير يشارك فيه إمام ذلك المسجد، يتضمن بعض الكلمات والأذكار والأناشيد الدينية.

أما صلاة التهجد فالمقبلون عليها أقل من القليل، بل ليس من المعتاد إقامتها في المساجد. ويقال مثل ذلك في سُنَّة الاعتكاف، إذ هجرها الكثير هناك، فلا يقيمها إلا من وفقه الله لفعل الطاعات، وتمسك بهدي رسول الهدى والرشاد.

ومن العادات المتبعة في هذا البلد المسلم خلال موسم رمضان إقامة معرض للكتاب، يبدأ نشاطه مع بداية الأسبوع الثاني من الشهر الكريم، ويفتح المعرض أبوابه كل يوم لاستقبال زواره بعد صلاة المغرب، ويستمر حتى وقت مـتأخر من الليل.

الجمعيات الخيرية المدعومة من قِبَل الأحزاب الإسلامية التركية، وبالاشتراك مع أهل الإحسان والموسرين تقيم كل يوم من أيام رمضان ما يسمى بـ ( موائد الرحمن ) وهي موائد مفتوحة، يحضرها الفقراء والمحتاجون وذووا الدخل المحدود. وتقام هذه الموائد عادة في الساحات والأماكن العامة. كما يقوم أهل الخير هناك بتوزيع الحلوى والمشروبات على الأطفال المشاركين في صلاة التراويح عقب انتهائها.

وأما ساعات العمل في الدوائر الرسمية فلا يطرأ عليها أي تغير خلال هذا الشهر، حتى إن بعض الصائمين يدركهم وقت المغرب وهم في طريقهم إلى منازلهم بسبب طول فترة ساعات العمل؛ في حين أن قطاعات العمل الخاصة تقلل ساعات العمل اليومي مقدار ساعة أو نحوها.

ومع دخول النصف الثاني من شهر رمضان يُسمح للزائرين بدخول جامع يسمى جامع ( الخرقة ) وهو في مدينة استنبول، والذي يقال: إن فيه مكانًا يُحتفظ بداخله بـ ( الخرقة النبوية ) التي أحضرها السلطان سليم لاستانبول بعد رحلته للشرق الإسلامي عام ( 1516م ) ولا يُسمح في أيام السنة العادية بزيارة ذلك المكان.

والمطبخ التركي غني عن التعريف، وما يعنينا منه كيف يكون أمره في رمضان؛ وعادة ما يبدأ الناس هناك إفطارهم على التمر والزيتون والجبن، قبل أن يتناولوا وجباتهم الرئيسة. والناس في هذا الموقف فريقان: فريق يفطر على التمر وقليل من الطعام، ويذهب لأداء صلاة المغرب، ثم يعود ثانية لتناول طعامه الرئيس، وهؤلاء هم الأقل. والفريق الثاني يتناول طعامه كاملاً، ثم يقوم لأداء صلاة المغرب، بعد أن يكون قد أخذ حظه من الطعام والشراب. وهذا الفريق هو الأكثر والأشهر بين الأتراك. وليس بغريب ولا بعجيب أن تمرَّ على بعض المساجد في صلاة المغرب في رمضان، فلا تجد غير الإمام والمؤذن وعابر سبيل!!

و( الشوربة ) هي الطعام الأبرز حضورًا، والأهم وجودًا على مائدة الإفطار التركية، إضافة إلى بعض الأكلات التي يشتهر بها البيت التركي. ومن الأكلات الخاصة بهذا الشهر عند الأتراك الخبز الذي يسمى عندهم ( بيدا ) وتعني ( الفطير ) وهي كلمة أصلها فارسي؛ وهذا النوع من الخبز يلقى إقبالاً منقطع النظير في هذا الشهر، حتى إن الناس يصطفون طوابير على الأفران قبل ساعات من الإفطار للحصول على هذا النوع من الخبز الذي يفتح الشهية للطعام، وينسي تعب الصوم.

وتعتبر ( الكنافة ) و( القطايف ) و( البقلاوة ) و( الجلاّش ) من أشهر أنواع الحلوى التي يتناولها المسلمون الأتراك خلال هذا الشهر الكريم. وربما كان من المفيد أن نختم حديثنا عن المطبخ التركي بالقول: إن الشعب التركي المسلم من أكثر الشعوب الإسلامية التي تتمتع بثقافة متميزة في الطعام والشراب، إعدادًا وذوقًا ونوعًا.

ثم إن ليالي رمضان في هذا البلد، وخاصة في مدينة استنبول، بعضها بيضاء وبعضها حمراء؛ فهي يتجاذبها اتجاهان: اتجاه يرى في هذه الليالي أنها ليالي عبادة وطاعة، فهو يمضيها ويستغلها بين هذه وتلك؛ واتجاه يرى في تلك الليالي أنها ليالي سرور وفرح، وعزف وقصف، ورقص وعصف، فهو يمضيها في المقاهي، وتدعى في البلاد التركية بـ ( بيوت القراءة ) = ( قراء تخانة لر ) أو في دور اللهو، حيث المعازف الوترية، كالعود والقانون والكمنجا؛ وغير الوترية، أو في غير هذه الأماكن.

وليس من العجيب عند سكان مدينة ( استانبول ) كثرة المعازف في رمضان وفي غير رمضان؛ إذ إن لأهلها – نساء ورجالاً – عناية خاصة بالعزف والموسيقى، حيث يتعلمون ذلك في المدارس الخاصة. كما وترى أصحاب الطبول الكبيرة يجولون في الشوارع من أول الليل إلى وقت الإمساك قُبيل الفجر. ولعل الشباب هم العنصر الأكثر حضورًا وظهورًا في هذه الليالي، حيث يمضون الليل في اللهو واللعب. وتنتشر بين أمثال هؤلاء الشباب عادة الجهر بالفطر في رمضان، فترى شبابًا وهم بكامل صحتهم يفطرون من غير عذر يبيح لهم ذلك ؟! (المصدر).

صور أول صلاة للتراويح من المسجد التاريخي ذي 840 سنة الذي يدعى جوغشلي في مدينة سامسون :

Continue Reading
Advertisement
MEDIUM RECTANGLE